
موقع الفكر: بصفتكم مفتشا عاما للدولة سابقا كيف وجدتم المفتشية العامة للدولة وكيف تركتموها؟
الوزير سيدي بن أحمد ديه:
قد أمضيت في المفتشية سنتين (2009/2010) وفعلا لا أفشي سرا أنني قد نصحت الرئيس بأن التفتيش وما سماه في فترة معينة مكافحة الفساد يحتاج تحضيرا.
أولا: من الضروري وجود النظم والقوانين، ومعرفة الموظفين للمساطر والإجراءات المعمول بها.
ثانيا: لا بد أن تكون هناك مراقبة أولية يعتمد عليها، كالمراقبة الذاتية، ثم مراقبة أخرى تمر عليها مصروفات الدولة كلها، وأي وثيقة لها بعد مالي أو يترتب عليها صرف، يجب أن تمر على مراقبة أولية، وأن يكون مسار التركيز والرقابة شفافا ومحايدا، وليس على أساس زبوني أو تصفية حسابات، وأن تكون شاملة، وموجهة للجميع، وأن تكون النتائج رادعة؛ بحيث أن من اختلس أو سرق سوف يعاقب بإلزامه رد ما اختلس، ويمنع بعد ذلك من الوظائف لفترة من الزمن حتى يتم التأكد من توبته. والملاحظ أن ما يقع عكس هذا تماما.
أيام كنت مفتشا عاما للدولة قامت هذه المفتشية بإعداد 35 ملفا، لكن تجب الإشارة هنا إلى إنه في تلك الفترة لم يكن لدى المفتشية صلاحية التعامل المباشر مع العدالة، وقد سمعت أن هذا الوضع تغير لاحقا حيث أصبح بمقدور هذه المؤسسة المبادرة بإحالة ملفاتها مباشرة إلى العدالة.
أما الوضعية السابقة فقد كانت تلزمنا بإحالة الملفات حصريا إلى الرئاسة وهي من يقرر الإجراءات اللزمة أو عدمها، وهي طبعا المسؤولة عن الإجراءات الإدارية المترتبة على هذه التفتيشات من عقوبات ضد المخالفين المحتملين.
وقبل إعفائي من المفتشية بشهرين أو ثلاثة وجهت إلينا تعليمات يتم بموجبها خصم 40% من المستحقات المسجلة في تقاير التفتيش، وأن يقسط الباقي على دفعات.
فأعددنا محاضر على ذلك الأساس، ووقعت مع المعنيين، ولا علم لي بعد ذلك بمصير تلك التفاهمات.
وقد لاحظت أن من بين من أثبت التفتيش تورطهم في قضايا فساد، وقدمت ملاحظات على تسييرهم في التقرير، من عينوا في وظائف عمومية تسييرية كما كانوا من قبل، دون أن نسمع عن وجود محاكمة لهم، نتجت عنها تبرئتهم.
إن جوهر قضية التفتيش هو الإجراء الرادع الذي يمنع الجميع من تكرار تصرف خاطئ قام به شخص واحد أو أكثر؛ والردع الأساسي يكمن في نظرة الناس –بما فيهم المثقفون والعلماء- للمال العام، والتي تناقض نظرتهم للمال الخاص بشكل غريب، ففي الداخل وفي القرى والمدن، إذا سرق شخص ما مالا قليلا أو بضاعة تافهة، فإنه سيسقط في قاع العار، بل ربما تفرض عليه نظرة المجتمع أن يهاجر عن بلده، وفي المقابل نلاحظ أن سراق المليارات، ومن نهبوا أقوات الشعب، ترتفع قيمتهم ومكانتهم الاجتماعية، كلما زاد ثراؤهم.
إن مجرد التفتيش لا يكفي، ولا يمكن أن يقضي على السرقة التي هي سلوك مرافق للظاهرة البشرية، ودوما سعت كل الشرائع والقوانين، إلى تضييق دائرته، وتجفيف منابعه، وفي تاريخنا الإسلامي نماذج متميزة للرقابة المالية على المسؤولين، فقد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفتش الصحابة، وقد شاطر بعضهم أموالهم، مؤسسا بذلك لبناء أخلاقي في التسيير العام، قوامه كلمته الشهيرة" جربوهم بالدنانير، ولا تجربوهم بالصوم والصلاة، لأنهما يفعلهما البر والفاجر"
كما أن التعاليم القرآنية في تعامل الوكيل مع مال اليتيم، هي أساس فاضل للتعاطي مع المال العام، فالوكيل قيم على هذا المال برسم تنميته وفق المصلحة التي يحققها لمالكه الأصلي، الذي سيتولى تدبير ماله إذا خرج من ربقة اليتم إلى حالة التكليف والرشد.
وعلى كل حال فإن أول خطوة في محاربة الفساد وحماية المال العام هي نزاهة المسؤول الأول.
"لا تنه عن خلق وتاتي مثله....عار عليك إذا فعلت عظيم".
والكلام الطيب والناعم لا يردع الناس، ولا يفطم شهوات المفسدين عن استمرار النهب، خصوصا أن بلدنا صغير، والمعلومات تتنتقل فيه بسرعة، وتصل إلى أبعد نقطة، ولا يمكن أن يخفى فيه أمر مفسد مهما تظاهر بالإصلاح، ولا يمكن أن تقع عملية فساد أو اختلاس دون مشاركة أكثر من شخص.
فبالنسبة للصرف العام لابد للاختلاس من آمر وتاجر ومحاسب وغض البصر من المصالح التي يمر بها هذا الصرف مثل الميزانية والمراقبة والخزانة، ثم يأتي بعد ذلك دور الأصدقاء والقبيلة والأقارب في تشجيع الفساد أو حماية المفسدين.
نحن محتاجون لتغيير العقليات، وما قمنا به من فعاليات ضد كورونا، من تحسيس وتوعية، يجب أن يقام به في مواجهة الفساد.














