الوزير السباق سيدي بن أحمد ديه: جوهر الأمر في المحاكمة من يضمن أن الأمول المستردة لن تختلس من جديد 

موقع الفكر: هل تعتقدون أن المسار  الذي بدأ مع لجنة التحقيق البرلمانية و انتهى بالقضاء  سيعيد الأموال المنهوب من  الدولة؟
الوزير سيدي بن أحمد ديه: أرجو أن لا أكون موفقا في تحليلي أو ما يظهر لي؛ وكما يقول آينشتاين إن استخدام نفس الوسائل ونفس الأسلوب ليس من العادة أن يأتي بنتائج مختلفة ومغايرة للنتائج السابقة.
فأنتم تشاهدون في التلفزيون النقاشات والصراعات، وتقرؤون في المواقع التي ربما تكون مصداقيتها ضعيفة أن وزيرا يقول إنه تلقى أوامر من ابن الرئيس أو زوجه أو حتى من الرئيس نفسه.
فأقول لهذا الوزير المحترم وأمثاله إن العلاقة في الإدارة تنظمها القوانين والنظم، ولا أحد فوق القانون، وإذا افترضنا أن الرئيس ضابط عسكري، فإن الوزير ليس جنديا، والأبناء المدللون، والزوجة الحبيبة لا دخل لهم في تسيير المال العام.
ثم إن هذه الجماعة القائمة الآن تعتبر خيارا اختاره الرئيس السابق، فالحكومة ليست بعيدة من محيط اختياراته المألوفة، والنواب هو من رشحهم، وهو من استمات في حملتهم، وأصر على فوزهم بمختلف الطرق.
فلماذا طيلة تعاملهم معه خلال العشرية "المشؤومة" بحسبهم...لم ينصحوه ولم يرفضوا له اقتراحا ولم يعيدوا له ميزانية، ولم يرفضوا له مشروع قانون ...على العكس من ذلك ... ضغطوا عليه من أجل الترشح لمأمورية ثالثة.
ولو كان يعرف أن هذه هي نتيجة رفضه للمأمورية لما رفض، ولكنه كان يظن أنهم أصحابه، وشركاءه فيما قام به سلبا وإيجابا في تلك المأمورية، وكان يظن أنهم سوف يحمونه، ولقد شكروه بعد ذهابه.
أما المعارضة فيبدو من مسارها حتى الآن أنها في الواقع لم تعارض إلا الشخص، وعند ما يذهب الشخص "تتقطع في أيديهم الحبال".
فهي عندما أطيح بمعاوية لم تجد ما تعارضه،  ومحمد بن عبد العزيز هم من دعموه وقووا نظامه، وقد قالي أحد قادة المعارضة إنه عند ما حدث الانقلاب أرسلت الدولة زعماء المعارضة إلى "بروكسل" على حسابها من أجل إقناع الأوروبيين بالانفتاح على السلطة الانقلابية؛ لكن الأوربيين استغربوا، وحذروا المعارضة من الوعود التي يقطعها الانقلابيون على أنفسهم، فكان رد زعماء المعارضة أن جيشنا ليس مثل الجيوش الأخرى، فهم من مكنوا له، وعند ما سقط محمد بن عبد العزيز وجدوا أنهم كانوا معارضين لشخصه لا أكثر.
وهنا يحق أن نتساءل هل سينال محمد بن عبد العزيز عندما يتحول إلى المعارضة، من التقدير والزعامة ما ناله رؤساء ووزراء سابقون، انتقلوا من عمق السلطة، إلى قيادة المعارضة

إن عمق القضية هي أنه يجب أن نعرف لماذا نعارض، وأن لا تكون معارضتنا للأشخاص، وأن تكون عندنا خطة جاهزة للتطبيق عند التفاهم مع السلطة القائمة أو عند الوصول إلى سدة الحكم.
حاليا ليس عندنا إلا محاكمة محمد بن عبد العزيز واسترداد الأموال، حتى ولو رجعت فما الضامن أنها لن تختلس من جديد.
واعتقادي أن الأساس في الموضوع هو مراجعة المسيرة وانتهاج طريق آخر بوسائل مغايرة وبرجال غير الذين اشتركوا مع الرئيس السابق، أو من سبقوه في نهج الفساد، ففي موريتانيا خبرات وكفاءات نزيهة ومقتدرة، لكنها لا تستطيع مزاحمة المفسدين المحميين من الأنظمة التي اختارتهم.
موقع الفكر: من وجهة نظركم ما الأسباب التي شجعت على نهب المال العام، وأين الخلل الذي أوصلنا إلى هذا الحد من الفساد؟
الوزير سيد بن أحمد ديه: أول الأسباب هو غياب الدولة المركزية، فلم تكن موجودة، وما عرفناه منها عن طريق فرنسا كان ضعيفا، وسطحيا، وكان شائعا أنها دولة كفر وأن من أخذ من مالها يعتبر بطلا" أفكراش" وقد فعل ما ينبغي فعله.
 ولم يكن المواطنون ينتظرون أي شيء من الدولة؛ ومعنى هذا أن الدولة هي بنية أجنبية على تفكيرنا ووعينا التقليدي، وحصولنا على شيء منها أمر مستغرب!، إذا، المال العام معناه أنه ملك للعموم، وهذا النوع من الملكية لا يعرفه الناس وهم في الأساس غير مقتنعين به.
الشخص هنا يعرف أن ماله ما ورثه من أبويه، أو شيئا حصّله بجهده، ولكن أن يكون لنا الحديد والنحاس والسمك والهبات، وعلينا تسديد الديون، والضريبة موزعة علينا فهذا سياق خارج عن ثقافتنا ووعينا السائد.
وثانيها غياب: الثقافة التي تقدس المال العام، ضمن رؤية صحيحة للدين، مفادها أن الدين هو المعاملة النزيهة والأخلاق الرفيعة،  وأنه لا ينحصر في تأدية الشعائر فحسب، ومن هنا فلا بد أن يجد  المال العام من يدافع عنه، وهذا الشخص المدافع عنه يجب أن يردع عنه الناس.
الدولة لم توجد بعد؛ لتدافع عن ممتلكاتها، والشعب لم يدرك حتى الآن أنه هو المالك الحقيقي للمال العام ، ما يعرفه هو ما ورثه أو حصل عليه بالتكسب.