كيف تغلب أردوغان على كمال اتاتورك والانقلابيين .. دون إطلاق رصاصة واحدة.. الآن حان وقت الحصاد| 

شاهدوا كيف تغلب أردوغان على كمال اتاتورك والانقلابيين .. دون إطلاق رصاصة واحدة.. الآن حان وقت الحصاد| 
الدستور التركي الجديد المرتقب خطوة جديدة مهمة لإنهاء ما تبقى من حكم العسكر في تركيا والذي استمر منذ 1923 قبل ان يأتي حزب العدالة والتنمية ليقص مخالبه ويروضه شيئا فشيئا، وفي الحقيقة ظهرت بوادر الخلاف بين أردوغان والجيش منذ وصول الرئيس الحالي أردوغان للحكم في تشرين الثاني نوفمبر 2002 بعد فوز العدالة والتنمية بالغالبية في الانتخابات البرلمانية ليصبح رئيسا للوزراء في عام 2003 ولغاية 2014،  عندما ترشح وفاز بمنصب الرئيس، ثم فاز في جميع الانتخابات التي خاضها والتي كان آخرها الانتخابات الماضية في مايو أيار 2023. 
فكيف تمكن أردوغان من التخلص من عسكر أتاتورك وترويضه في ثورة صامتة هادئة مسالمة دون إطلاق رصاصة واحدة استمرت أكثر من عشرين عاما ؟ بل ان أردوغان تلقى تفويضًا جديدًا من الشعب بعد نجاحه في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية لاستكمال مسيرة النهضة وإنهاء ما تبقى من حكم العسكر الذي عاث في الأرض فسادًا وحول تركيا إلى دولة علمانية. 
مازال العديد لم يستوعب ما الذي حدث في تركيا بعد وصول أردوغان الى حكمها ومن غير الواضح أين كانت واشنطن في مجمل حسابات التخلص من المؤسسة العسكرية في تركيا،فمنذ قيام الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال اتاتورك ورفاقه العسكر في 29تشرين الأول اكتوبر 1923 بعد حرب الاستقلال التي دامت أربع سنوات كان فيها الجيش هو الاكثر تأثيرا في مجمل أحداث تركيا وفي أغلب الأحيان باسم الحليف الأكبر لواشنطن التي كان لها باع طويل في هذه الاحداث، فقد كانت تركيا ومازالت دولة حليفة لاميريكا منذ وصول أول مدمرة امريكية الى اسطنبول في نسيان إبريل 1946، وكان العسكر طيلة السنوات الماضية لسان حال الحليف الاميركي حيث نفذ ثلاثة انقلابات عسكرية في 1960 و1971 و1980 وتدخل في المرة الرابعة من دون انقلاب للإطاحة بالحكومة الإسلامية بقيادة نجم الدين اربكان في شباط فبراير 1997 وجاء حكم العدالة والتنمية بعد انتخابات تشرين الثاني نوفمبر 2002، ليضع العسكر حكومة العدالة والتنمية أمام تحديات خطيرة، وخاصة بعد ما رفض البرلمان التركي في آذار مارس 2003 تفويض الحكومة السماح للجيش الاميريكي باستخدام الاراضي والاجواء التركية خلال الحرب على العراق، ولم يخفِ نائب وزير الدفاع الاميركي آنذاك انزعاجه من موقف الجنرلات الذين لم يتدخلو ضد الحكومة والبرلمان كما لم يتأخر الامريكيون في الانتقام من الجنرلات حيث أسر الجيش الاميريكي احد عشر من العساكر الاتراك في مدينة السليمانية على نحو مَهين كرسالة من واشنطن للمؤسسة العسكرية التركية التي أفل نجمها بعد ذلك التاريخ ،ويذكر انه جاء وصول أردوغان الى السلطة متزامنا مع عدة متغيرات داخلية وخارجية وفرت له بيئة النجاح. 
فخارجيا كانت الولايات المتحدة بحاجة الى حليف إسلامي وسطي بعد أحداث سبتمبر في إطارها لمشروع الشرق الاوسط الكبير وكذلك استغل أردوغان الرغبة التاريخية للاتراك بالانضمام للاتحاد الاوروبي في الوفاء بمعايير كوبنهاغن من اجل الموافقة على بدإ المفاوضات الاوروبية، وأول هذه المعايير هو تقليص النفوذ السياسي للجيش وبالطبع لم يستطع الجيش معارضة أردوغان في طريقه نحو الحلم الأوروبي الذي يعدُّ مطلبًا قوميا اتاتوركيا في الأساس، ثم إنه مطلب النخب العلمانية بمختلف أطيافها وأيضا هو مطلب شعبي من اجل حياة اقتصادية أكثر رفاهية ومن ثم استغل أردوغان هذه الفرصة التاريخية وأخذ خطوات جادة ومحددة نحو اعادة هيكلة المؤسسات التركية وتشريعاتها الدستورية والقانونية لتتواءم ومعايير كوبنهاغن نحو ترسيخ قيّم الديمقراطية وتعزيز دولة القانون. 
ومن هذا الباب بدأ أردوغان حملته الدستورية والشعبية ضد التدخل العسكري في السياسة والتي شملت عدة مراحل، ولكن قبل وصول اردوغان الى الحكم تم إجراء حزمة تعديلات دستورية شملت 37 مادة في اكتوبر عام 2001 وجاء ذلك بعدما بدأت تركيا مفاوضاتها مع الاتحاد الاوروبي حتى بدأ الاتحاد الاوروبي في إعداد تقارير متابعة لأداء تركيا، وكان أبرز هذه التعديلات هي تعديل المادة 118 الخاصة بمجلس الامن القومي التركي حيث تم توسيع اعضائه المدنيين ليكتسب أغلبية مدنية في إدراج عضويتي نائب رئيس الوزراء إضافة الى وزير العدل كما الغت إلزامية قرارته وجعلتها خاضعة لتقييم مجلس الوزراء وكانت هذه التعديلات هي اولى الخطوات التي قلصت نفوذ العسكريين في تاريخ الدساتير التركية، حيث كانت تتجه جميع الدساتير بتعديلاتها نحو تعزيزها. 
وفي 2004 أي بعد سنة واحدة من وصول أردوغان الى الحكم أجرى العدالة والتنمية سبع تعديلات جديدة حالفه الحظ في تمريرها لأنها كانت مشفوعة بالرغبة في تلبية شروط الاتحاد الاوروبي كما كان معلنًا، وهو المطلب الذي يريده الجميع في تركيا آنذاك وأهم تلك التعديلات كان تعديل المادة 131 الخاصة بالمجلس الاعلى للتعليم حيث تم إلغاء عضوية الجنرال العسكري من داخل إدارة المجلس الأعلى للتعليم وأيضا تعديل المادة الخاصة بعضوية الجنرال العسكري داخل اتحاد الإذاعة والتلفزيون وايضا السماح برفع الدعاوى القضائية ضد الجنرالات القدامى والحاليين في قضايا الفساد وحظر التصريحات الإعلامية للجنرالات في الشأن السياسي وإلغاء المحاكمة العسكرية للمدنيين، كما أدخل العدالة والتنمية تعديلات أخرى على 26 مادة دفعة واحدة عام 2010 منها ما يتعلق بتوسعة الحقوق المدنية والسياسية وتعزيز الممارسة الديمقراطية واشتملت على سبيل المثال تحسين اوضاع النساء والاطفال والعجزة ومعاقي الحروب وذوي الاحتياجات الخاصة وتعزيز مواد الحرية الشخصية والحفاظ على الحياة الخاصة وتسهيل حقوق التظاهر والاحتجاج وانشاء محكمة خاصة بحقوق الانسان وزيادة نفوذ رجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب رؤوس الاموال والطبقات الحاكمة من خارج السلك العسكري والبيروقراطي من أجهزة الدولة ومنح دور أكثر فعالية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بمايعني ان غرف التجارة والصناعة والحرف وغيرها ستكون شريكة لأي حكومة بحماية الدستور والرقابة والحياة العامة، وضمن المواد التي عدّلت عام 2010 مواد ذات أهمية بالغة في تكبيل يد العسكر حيث عُدّلت المادة 125 من الدستور والتي مكنت الجيش وبمساعدة مجلس الشورى العسكري منذ انقلاب 1960 وحتى الفترات القليلة الماضية من فصل أكثر من 230 جنرالا وآلاف الضباط والعناصر المفصولة أو المطرودة من الجيش تكون بسببها إسلامية..

ومع هذا التعديل الجديد اصبح بإمكان اي عسكري مطرود من قبل مجلس الشورى العسكري الطعن أمام القضاء المدني، وتشمل المادة 125 المعدّلة أيضًا عدم جواز مقاضاة المدنيين امام المحاكم العسكرية في غير زمن الحرب وحصر مهام المحاكم العسكرية بالنطر إلى العمليات العسكرية والعسكريين فحسب. 
كما عدّلت المادة 145 التي أقرت ان تكون مقاضاة المتهمين بتهديد وحدة البلاد واستهداف الدستور التركي أمام المحاكم المدنية، فضلًا عن تعديلات تخص أصول المحاكمات العسكرية وأيضًا في مسعى لزيادة الشفافية والحرية والاستقلالية والنزاهة وتقليص سلطة العسكريين على الحياة السياسية والمدنية وزيادة عدد قضاة هيئة المحكمة الدستورية العليا في تركيا من 11 قاضيا الى 17 قاضيا، يعين رئيس الجمهورية 14 منهم ويعين البرلمان الثلاثة الباقيين كما أجريت أيضا تعديلات تتعلق بالهيئة العليا للقضاء حيث كان وزير العدل ونوابه ضمن سبعة أعضاء أصليين بالاضافة الى خمسة مؤقتين كانوا يشكلون تلك الهيئة وبموجب التعديل الجديد يصل اعضاء الهيئة الى 32 عضوا 22 أصليون وعشرة نواب يحق لرئيس الجمهورية تعيين أربعة منهم 
وستزداد صلاحيات وزير العدل بالتأثير على دور وفعاليات الهيئة العليا للقضاء، مايعني زيادة تأثير الحكومة كما تم تعديل المادة 15 ليتاح محاكمة الانقلابيين على الرأي العام مما يعني إمكانية محاكمة قادة انقلاب 12 سبتمبر 1980 إضافةً الى تعديلات أخرى تمت ضمن هذه السلسلة عام 2010 
وفي الواقع قلّصت تعديلات 2010 وصاية العسكر على السياسة في تركيا بشكل كبير ومهدت الطريق وجردته من الحصانة القضائية فأصبح بالإمكان محاكمة العسكريين الذين مازالوا في الخدمة أمام المحاكم المدنية كما فتحت الطريق امام مقاضاة العسكريين المتهمين في الانقلابات التاريخية الشهيرة مثل محاولة الانقلاب على أردوغان عام 2016 لتأتي التغييرات التي أدخلت على  الدستور سنة 2017 كتكملة على التعديلات السابقة التي ترمي كلها نحو تقييد يد الجيش وتقليص دوره على حماية الوطن والحدود فقط دون التدخل في السياسة، وبهذه التعديلات المتدرجة يكون عصر الانقلابات العسكرية الدستورية في تركيا قد ولّى ولكن يبقى استكمال المهمة الأصعب والتي تتعلق بإخراج المجتمع العسكري من عزلته عن المجتمع المدني عبر تغيير الذهنية العسكرية وذلك عبر تغيير المقررات الدراسية داخل المدارس الحربية والاكاديميات العسكرية وتصفيتها من المضامين الاتاتوركية التي تعزز الدور السياسي وربما ستكون هذه من الأساسيات ضمن الدستور الجديد المتوقع خلال الدورة التشريعية الأولى للبرلمان التركي الجديد. 
وهناك أمر مهم أيضا ساهم في تغلب أردوغان على التغلب على الانقلابيين وهو أنه بالموازاة مع سلسلة التعديلات الدستورية هذه قام أردوغان بمحاكمة العسكريين والقبض عليهم فبادر إليهم قبل ان ينقلبو عليه كما فعلوا مع أسلافه ومن هنا تضح بشكل كبير حنكة هذا الرجل فجاءت الضربة الاولى في 12 حزيران يونيو 2007 عندما اتهمت النيابة العامة العشرات من الجنرلات ومن بينهم قائد الفرقة الاولى في إسطنبول بالتخطيط لانقلاب عسكري عام 2003 واستمرت محاكمة نحو 600 من الجنرالات والضباط المعتقلين لفترة طويلة من دون ان يحرك الجيش ساكنا في هذا الموضوع الذي تبناه آنذاك رئيس الوزراء أردوغان ثم جاءت الضربة الثانية التي قام بها أردوغان ولكن همتها هذه المرة إزالة أتباع منظمة فتح الله غولن من القضاة ووكلاء النيابة ومعهم جهاز الامن الذي كان أداة فعالة في عمليات الاعتقال التي قامت في شباط فبراير 2010 نحو 400 من الجنرالات والضباط من بينهم قائدو القوات المسلحة وبعض الفرق والألوية المتورطون في التخطيط لانقلاب عسكري ضد حكومة أردوغان، وجاء اعتقال رئيس الأركان السابق ايلكار بشبوك في كانون الثاني عام 2012 بمثابة الضربة ماقبل القاضية للمؤسسة العسكرية التي بدأت تنتظر مصيرها المحتوم وهو ما تحقق بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي نفذها اتباع فتح الله غولن وأتباعه حلفاء أردوغان السابقون خلال حربه على الجنرالات العلمانيين واستغل أردوغان هذه المحاولة الفاشلة للتخلص من آلاف الجنرالات والضباط والعساكر الذين تورطوا في محاولة الانقلاب الفاشل كما انه استغل هذا الانقلاب ايضا للتخلص من عشرات الآلاف من اتباع غولن وأنصاره في الامن والاستخبارات والقضاء وجميع مؤسسات الدولة ومرافقها من أعلى مستوى الى أدنى منصب ولم يهمل أردوغان الضباط الصغار فبعدما أغلق جميع الكليات والمدارس العسكرية وأسس بدلًا منها جامعة للدفاع الوطني وكلفها بإعداد الكوادر العسكرية الجديدة للجيش التركي وعيّن أستاذا للتاريخ العثماني رئيسا لهذه الجامعة العسكرية المسؤولة عن قبول طلبات الشباب والشابات بمن فيهم المحجبات هذه المرة والذين يريدون الانضمام الى صفوف القوات المسلحة وهو ما يتحقق لهم بعد امتحان مكتوب وآخر شفهي للتأكد من ولائهم للعسكر ليأتي استفتاء نيسان إبريل 2017 ليساعد الرئيس أردوغان في مساعيه لإعادة دور المؤسسة العسكرية المدعوم من الاستخبارات إلى حجمها حيث كان رئيسها هاكان فيدان ومعه وزير الدفاع خلوصي آكار إلى جانب أردوغان في جميع اللقاءات مع المسؤولين الأجانب في تركيا أو خارجها واستطاع أردوغان من خلال الاستفتاء ان يغير النظام السياسي من برلماني الى رئاسي ليصبح لرئيس منتخب من الشعب وليس للعسكر بعدما تم تطهير كل المؤسسات في البلاد ومرافقها وأجهزتها وأهمها الجيش. 
لقد كان الجميع في السابق يهاب الجنرالات العسكريين في تركيا وهم الآن تحت يد أردوغان المنتخب من الشعب بطريقة ديمقراطية لم يشهد العالم مثلها وأردوغان حاليًا هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التركية بتفويض من الشعب وطبقًا للدستور، فعاد الجيش إلى عمله الأصلي بما في ذلك تنفيذ مهمات خارجية في سوريا والعراق وليبيا والصومال وقطر ودول أخرى من دون أيّ اعتراض من هؤلاء الجنرالات.

هذه المادة في الأصل صوتية من حساب "الخبر بالتفصيل" ولأهميتها قمنا بتحويلها إلى مادة مكتوبة، فازم التنبيه.