أنهى الفرز الأول لنتائج الانتخابات الرئاسية المنظمة فوزا هادئا للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنسبة 56% من أصوات الناخبين، حاسما بذلك الشوط الأول، فيما حل منافسه بيرام ولد اعبيدي في الرتبة الثانية بحوالي 22.1%، ليحل مرشح حزب تواصل حمادي ولد سيدي المختار في الرتبة الثالثة بحوالي 12.76% من الناخبين، قبل أن تفرض البطاقات اللاغية فسطاطا بين الثلاثة والأربعة المتبقين من مرشحي الرئاسة الذين حصلوا على أقل من 4%.
تفتح الانتخابات باب مأمورية جديدة وأخيرة للرئيس ولد الشيخ الغزواني، إلا أنها أيضا تفتح أبواب تساؤلات كثيرة حول سياقها، ومآلات نتائجها، ويمكن بسهولة ملاحظة مؤشرات متعددة طبعت السباق إلى القصر الرئاسي من أبرزها:
العرق ورقة انتخابية رابحة..
جاءت النتائج التي حصل عليها المرشح بيرام ولد الداه ولد اعبيد لتعكس حجم التمايز العرقي داخل المجتمع الموريتاني، حيث استطاع ولد اعبيد الحفاظ على تفوقه في ولاية نواكشوط الجنوبية ومدينة نواذيبو، حيث تتمتع الأولى بأغلبية من مكونة اجتماعية معينة، فيما تعتبر الثانية مدينة عمالية، كما استطاع الحفاظ على نسبة عالية في كيهدي وسيلبابي وروصو ليحل ثانيا بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعد أن كان صاحب الرتبة الأولى في انتخابات 2019.
ويمكن ببساطة من خلال نتائج السبخة و كيهيدي وسيلبابي ملاحظة تأثير ناخبي حركة افلام، من نتائج مرشحيها السابقين، فقد مروا وبقي الأثر.

كما تعكس أيضا النسب القليلة التي حصل عليها بيرام في الحوضين وتكانت وآدرار مستوى حضوره هنالك، وتقدم صورة أيضا عن التمايز العرقي داخل هذه الولايات.
وسط حديث من السلطة عن علاقة الرئيس السابق مع المترشح وما أمده به من مال وبنين..
النظام يحصد ضعف أداء حملته:
أظهرت النتائج التي حصد النظام والتي جاءت عكس توقعات كثير من أنصاره الذين كانوا يراهنون على نسبة تقترب من 70% تعيد اكتساح نيابيات وبلديات 2023.
وقد أظهرت النتائج تأثيرا محدودا للسياسة التي انتهجها ولد الشيخ الغزواني في مواجهة المسألة العرقية، وتأثيرا أقل أيضا في برامج تآزر التي توجهت التوجه نفسه، دون أن تحقق عائدا سياسيا مناسبا وفق تقديرات مقربين من السلطة.
وذلك أمر غير مستغرب، وماتغني دراهم معدودة في تجمعات آدوابه التي تنعدم فيها الخدمات الجوهرية مثل التعليم والصحة والتشغيل حتى إن بعض هذه القرى يصدق فيها المثل: جاور الماء تعطش، فعلى مدى تاريخه الممتد على 4 عقود، ظلت مياه سد فم لكليته هبة من الله لعوامل التعرية، تتبخر، وظلت سعة السد نتيجة الإهمال تتراجع بفعل الطمر، أما جيرانه من سكان آدوابه فيحفرون بواطن الأودية ليشربوا كدرا وطينا، وهذه ليست تخريصات ولابقول شاعر وإنما هي الحقيقة.
وهكذا أظهرت الانتخابات ضعف تأثير تآزر وبرامجها في قناعات الناخب، و أظهرت أيضا حالة من الغضب الشعبي تجاه إخفاق سياسات الحكومة في علاج الأمن الغذائي والحد من ارتفاع الأسعار، وتردي الخدمات الصحية، و انعدام التعليم خصوصا في المدن الكبرى.
وإلى جانب ذلك كانت حملة الرئيس الغزواني لهذه السنة من أكثر الحملات فشلا، حيث شكا المنسقون المحليون والجهويون من بخل شديد من إدارة الحملة المركزية، وهو ما أثر سلبيا على المشاركة، حيث عجز عدد كبير من فرقاء حزب الإنصاف عن إيجاد وسائل نقل لأنصاره في القرى من أجل إيصالهم إلى مكاتب التصويت، إضافة إلى خذلان شديد من رجال الأعمال وخصوصا من المقربين اجتماعيا من رئيس الجمهورية للمكاتب والقطاعات السكانية التي أسندت إليهم.
ورغم ضخامة المبالغ التي رصدت للحملة والتي تجاوزت 15 مليارأوقية، فإن الأداء كان دون المستوى المتوقع من حملة الهاهم التكاثر حتى وصلت تعيينات أعضائها إلى أكثر من 2.000 شخص، فما أغنى عنهم جمعهم.
وباستثناء القوة المالية والعلاقات التقليدية للسلطة، وارتباط مصالح الوجهاء بالسلطة واستمرارها، ومخاوف عدد كبير من المواطنين من مواجهة انتخابية ذات بعد عنصري، فإن مرشح السلطة محمد ولد الشيخ الغزواني قد كان في سباق انتخابي عسير.
لقد كان واضحا من البداية أن اختيارات محمد ولد الشيخ الغزواني لمدير حملته ومدير إعلامه جانب الصواب، وماذا بوسعهما أن يفعلا وما مصداقيتهما، هل تحس منهم من أحد أوتسمع لهم ركزا.
النظام والمعارضة الناطحة..
يمكن القول إن النظام يعيش بين تيارين سياسيين أحدهما يدفع إلى التهدئة مع المعارضة، ويملك قنوات اتصال مستمرة، وينتمي إلى هذا التيار عدد من مستشاريه وكبار الشخصيات السياسية الداعمة للرئيس، فيما يدفع تيار آخر من أجل "تقليم" أظافر القوى الأكثر حدة تجاه النظام، وفيما يصدر التيار الأول عن خلفية سياسية، فإن التيار الثاني يستند إلى موقف وتقدير أمني
ودون أن يحسم ولد الشيخ الغزواني الخيار بين الطرفين، يواصل السير في حقل ألغام بخطى فرسيه الملجم بالحلم والمسرج بالجاجة لمزيد من العلم والفهم، رغم أن حركة التأزم السياسي، وتفاقم النقمة المجتمعية جراء ارتفاع الأسعار وتردي الخدمات، لا يمكن مواجهتها بسرعة حصانيين، فمنذ عقود أصبحت deux chevoux من مقتنيات المتاحف.
ماذا بعد الانتخابات..
لاشك أن الرئيس الغزواني يدرك جيدا حقيقة من يتحلقون حوله، وأن أصحاب الجلبة في عمومهم يجمعهم درهم ويفرقهم سوط، ومن طالت به الحياة وكان أدرك زمن ولد الطايع أو اعلي وربما المختار، فلديه بعض ملحهم حين كانوا يقسمون بحياتهم، وينثرون في حقهم زخرف القول غرورا.
فإن للقوم اصطلاحا لاحا حير من لم يدر الاصطلاحا
لا ينفي ذلك وجود أولوا بقية من الناصحين والشرفاء والوطنيين، يمكن الاعتماد عليهم في الإصلاح غير المخروق.
فحياة المواطنين في غاية البؤس وهم يحملون هموم الحياة بقوة ويعيشون مفرداتها وتقلباتها الصعبة، في ارتفاع الأسعار وىسوء المنقلب من المرافق العمومية ومن الإدارة التي لاتقيم وزنا إلا للوساطة.
لقد وعد الرئيس في حملته بمحاربة الفساد والرشوة، وبإصلاح التعليم وتطوير الزراعة وخلق بيئة ملائمة لتشغيل الشباب، وهذه وعود مهمة والأهم منها تجسيدها على أرض الواقع، من خلال اختيارات يتمنى الجميع أن تكون موفقة، وان تبتعدج عن الترضيات و تمثيل عسيرة بني فلان أو علان.
لايتصور الإصلاح مع النفخ في كير الفتنة والدعوات القبلية والفئوية التي ترسخها التعيينات في الإدارة والوزارة والبرلمان، وإنما يرفع ذلك بالعلم النافع والعلم به الذي هو قمة الوعي، فالجهل هو " الوسط الملائم للدعوات الشرائحية والقبلية"
لابد للرئيس أن يختار اهل الكفاء والنزاهة ويرفع أهل العلم ويزين مجلسه بهم، ويعظم ديننا الذي هو " عصمة أمرنا" وهو يستطيع إن أراد، فلامنة لأحد عليه في فوزه، الذي حمل رسائل المظلوم والمهمش وصاحب الشهاداة المعطل عن العمل، وهو يشاهد الأمي يتسور قمم الوظائف، ومن كان بالأمس مستور الحال يتطاول في البنيان، وهو ما يلزم الرئيس أن يصلح قبل فوات الأوان ويدرك بفطرته أنه مسؤول وأن "أيامه تعد ورحاله تشد، والموت من بعد ذلك ينتظر الخد وماثم إلا وعد مكتوب وأمل مكذوب"













