
بمناسبة الإشراف على انطلاق مراسيم وأنشطة المهرجان الدوري للمدن ذات البعد التاريخي، ألقى رئيس الجمهورية اليوم الجمعة 19 ديسمبر 2025 بمدينة وادان، خطابا لم يخرج عن المألوف من استعراض واستظهار بعض المنجزات المُصاغَة وفق أدبيات الخطاب السياسي المتفائل والإيجابي في كل الأرقام والأحكام والإنجازات، كما تناول في شقّه الأكبر موضوع اللحمة الوطنية وأهميّة التماسك الاجتماعي، وضرورة ترسيخ المواطنة كضامن للولاء والهُوية والانتماء، ثم أشار الخطابُ لدور النخبة وتنظيمات المجتمع المدني في تغيير العقليات والمسلكيات الضامنة لتحقق لدعم جهود الدولة في تكريس هذه المواطنة.
والعنصر الأبرز مما ليس قولا مُعادا هو الإشادة بالدعوة للحوار الوطني الشامل بهدف بناء إجماع وطني شامل حول أسس الكيان الاجتماعي والمشتركات الأساسية.
لكنّ تفاصيل وآليات مرحلة ما بعد هذه الدعوة لم يُفصح عنها الخطاب، كما أنه لم يفصح عن مفردات مخرجاته المنتظرة كشيء محسوس يُجَسّد الاجماع الوطني؛ ويُفنّد الأطروحات المُغرضة لبعض أشباه السياسيين وأدعيّاء الحقوقيين الذين ينفذون سمومهم في كل جُحر و يتربّصون بالوطن الدوائر.
كان الخطاب خِلْوًا من تدابير يتذكّرها المواطن كلّما شاهد منبرا رئاسيا؛ تمسُّ حياته اليومية كالصحة المُعطّلة مثلا فلا أمان للمواطن على استشفائه هنا، وليُقَس مالم يُقل مما هو قاعديٌّ من الخدمات، وكان الخطاب أيضا خِلْوا من أشياء منتظرة يُحسُّ بالحاجة إليها أهلُ وادان كلّما لاح مهرجان الإحياء والانتشال من ضياع عاديات الزمن، لمجال جغرافي تاريخي محتضن لكنوز وأعلاقٍ نفيسة خلّفها رعيل البناء والعمران والإشعاع الحضاري.
إن التخليد الحقيقيّ لهذه المدن إنّما هو بالبناء والعمران و المحاظر والمكتبات والجامعات.. وبإحداث أقطاب استثمار جاذبة وقارّة، وبدعم المقدّرات الزراعية الأصيلة التي هي جزء من ثقافة المواطن المحلي.
وادانُ.. رغم تعاقب الأنظمة المُدرِكة لقيمتها، لم تحظَ بسياسة وخُطة للإعمار ولحفظ الآثار وتشجيع الساكنة وتثبيت عوامل الجذب والاستثمار؛ كي تستعيد بعض المقومات وجذوةً من ألقِها في الزمن.
وما يُقالُ عن وادان بهذا الشأن مُنسحبٌ على نظيراتها في أرجاء الوطن من مدننا الضاربة في أعماق التاريخ والرّقي الثقافي على غرار حواضر الغرب الإسلامي جنوب البحر لأبيض المتوسط.
كان الخطاب في شكله أنيقا في العبارات وفي إطلاق المفاهيم والرؤى، وفي التعبير عن إدراك عمق الخلل وبيت الداء، وعكس في فحواه ومضامينه طموحا و مُكاشفة واهتماما، لكنه في جانب المستجدات النافذة مما يعود آنيا على المواطن الموريتاني و الوداني بالأخص من بُنَى تحتية أو خدمية.. كان خاويّ الوفاض، ولا تُحدّثني عن تحفيزات وتدخلات ظرفية عابرة لساكنة المدينة ينفَد مداها مع انتهاء مراسيم المهرجان.
والمفارقة العجيبة أن طفرة المال المستخدم في هذا المهرجان؛ مما ليس ضرورة قد يكفي لتغطية بعض المشاريع العقارية والإنمائية للمدينة في أفق إنجاز بنيوي قد لا يسمح بترتيبه النهائي الزمنُ المتبقّي من المأمورية الثانية.













