تفقد 90 مليار دولار سنويًا: التدفقات المالية غير المشروعة تنهك اقتصاد القارة السمراء

 

تستمر التدفقات المالية غير المشروعة في كونها أحد أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه القارة الأفريقية، حيث تمثل عبئًا ثقيلاً على اقتصاداتها وتمثل تهديدًا لاستدامة التنمية فيها. وعلى الرغم من أن مفهوم هذه التدفقات كان سابقًا محصورًا في الأوساط المتخصصة، فإن البيانات الحديثة التي جمعتها المؤسسات الدولية رسمت صورة دقيقة ومفصلة عن حجم هذه الخسائر.
 وتشير التقديرات الأكثر قبولًا إلى أن أفريقيا تفقد سنويًا ما بين 88 و90 مليار دولار أمريكي بسبب هذه التدفقات غير القانونية، وهو ما يعادل نحو 3.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي للقارة.

استمرار هذا الاتجاه
 أبرز تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن حجم التدفقات المالية غير المشروعة الخارجة من أفريقيا يصل إلى نحو 88.6 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يقارب حجم المساعدات الإنمائية الرسمية والاستثمارات المباشرة الأجنبية التي تتدفق إلى القارة. 
وتعكس هذه الأرقام تناقضًا واضحًا في الوضع المالي لأفريقيا، إذ تتلقى القارة تدفقات رأسمالية رسمية وفي الوقت نفسه تفقد مواردها المحلية الحيوية.

وينسجم هذا التحليل مع ما أورده البنك الأفريقي للتنمية، الذي أشار في تحليلاته الأخيرة إلى أن التدفقات الإجمالية لرؤوس الأموال المرتبطة بممارسات التهرب الضريبي العدواني والفساد تتجاوز 580 مليار دولار سنويًا. 
كما أكد البنك أن هذه التدفقات تساهم بشكل مباشر في تفاقم عجز تمويل البنية التحتية، الذي يقدر بنحو 170 مليار دولار سنويًا، وفي زيادة الدين العام الأفريقي الذي يقترب الآن من 2000 مليار دولار، مما يضع ضغوطًا كبيرة على قدرة الدول على تمويل برامجها التنموية والخدمات الاجتماعية الأساسية.

وتؤكد البيانات التاريخية على استمرار هذا الاتجاه على مدى سنوات. ففي الفترة من 2000 إلى 2015، قُدرت التدفقات المالية غير المشروعة التراكمية من أفريقيا بحوالي 836 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الموارد الضائعة التي كان يمكن أن تسهم في تمويل مشروعات تنموية مهمة. وتشير عدة دراسات، من بينها تقارير البنك الأفريقي للتنمية والمنظمات المتخصصة، إلى أن احتساب هذه التدفقات الصافية يجعل القارة تظهر كمقرض صافٍ تجاه بقية العالم، وهو واقع نادراً ما يتم أخذه بعين الاعتبار في النقاشات المتعلقة بتمويل التنمية في أفريقيا.

**المصدر والتوزيع الجغرافي 
يظل الذهب أحد أبرز المنتجات المرتبطة بهذه التدفقات المالية غير المشروعة، حيث بلغ حجم الصادرات غير المشروعة منه نحو 30 مليار دولار أمريكي سنويًا، وفقًا لمبادرة مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ما يعكس الدور الكبير للمعادن الثمينة في تهريب رؤوس الأموال خارج القارة.

تتوزع التدفقات المالية غير المشروعة بشكل متفاوت على مناطق القارة، حيث تعد غرب أفريقيا من أكثر المناطق تأثرًا، خصوصًا الدول الغنية بالموارد الطبيعية. وتبرز نيجيريا كأكبر اقتصاد في المنطقة، إذ سجلت في عام 2014 وحده تدفقات مالية غير مشروعة بلغت نحو 2.2 مليار دولار، أي ما يقارب 4٪ من الإيرادات الحكومية. كما تكبدت دول مثل غانا والسنغال وكوت ديفوار خسائر كبيرة مرتبطة بالموارد المعدنية والنفطية، بسبب ممارسات التلاعب في الأسعار والفواتير غير القانونية.

وفي وسط أفريقيا، تواجه الدول الغنية بالمعادن والغابات ضغوطًا مماثلة. فقد كشفت تدقيقات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) في جمهورية الكونغو الديمقراطية عن أكثر من 100 مليون دولار من الإيرادات لم تُحوّل للخزينة، وهو ما يوضح الفجوة الكبيرة بين الإيرادات المفترض أن تحصل عليها الدولة وتلك التي تحصيل فعليًا.

أما في جنوب أفريقيا، فكانت التدفقات المالية غير المشروعة أكبر بكثير، حيث بلغ متوسطها نحو 7.4 مليار دولار سنويًا خلال الفترة بين 2010 و2014، نتيجة الفواتير التجارية المزيفة وتحويل الأرباح داخل الشركات المتعددة الجنسيات، وخاصة في قطاعات التعدين والخدمات، مما أثر سلبًا على قدرة الدولة على تمويل الاستثمارات العامة، ولا سيما مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.

ولا تقتصر المشكلة على جنوب أفريقيا فقط، فدول مثل ناميبيا وبوتسوانا وبعض دول شرق أفريقيا سجلت أيضًا تدفقات مالية غير مشروعة، وإن كانت بأرقام أقل، فيما تعد مصر من بين الدول الكبرى في شمال أفريقيا المساهمة في إجمالي التدفقات غير المشروعة للقارة، حسب بيانات الأونكتاد والبنك الأفريقي للتنمية.

وتتعدد مصادر التدفقات المالية غير المشروعة في القارة، حيث يمثل التهرب الضريبي والممارسات التجارية غير القانونية نحو 65٪ من هذه التدفقات، ويشمل ذلك التلاعب في الأسعار والفوترة المزيفة وتحويل الأرباح إلى ملاذات ضريبية منخفضة. إلى جانب ذلك، تلعب الفساد واختلاس الأموال العامة دورًا مهمًا في زيادة هذه التدفقات، من خلال الرشاوى والفواتير المبالغ فيها وتحويل أموال الدولة خارج القنوات الرسمية. كما تشكل الجريمة المنظمة والأسواق غير القانونية، مثل تجارة المخدرات والأسلحة، الذهب غير المشروع، والتزوير والاتجار بالبشر، مصدرًا آخر مهمًا لهذه الأموال.

ولا تقتصر تأثيرات هذه التدفقات على الجانب المالي فحسب، بل تمتد لتشمل الخدمات العامة والتنمية البشرية، حيث يؤدي انخفاض الإيرادات الضريبية إلى تراجع كبير في الإنفاق على الصحة والتعليم، بينما يتفاقم عجز تمويل البنية التحتية ويزيد الاعتماد على الديون العامة، وهو ما يحد من قدرة الدول على تنفيذ خططها التنموية وتحقيق الأهداف الاجتماعية الأساسية.

رابط المقال:
https://afrique.le360.ma/economie/le-continent-perd-90-milliards-de-doll...