
صادق مجلس الوزراء في اجتماعه أمس الأربعاء 31 ديسمبر 2025، على مشروع مرسوم يتعلق باستحداث نظام خاص بسلك القانونيين بالإدارات العمومية للدولة، ضمن الأسلاك الإدارية البَيْنِيّة المنتميّة لشعبة التسيير الإداري؛ المؤهَّلة لشُغل الوظائف الإدارية في مختلف القطاعات والبُنّى الإدارية، التابعة للوزير المعني بقطاع الوظيفة العمومية، وذلك تأسيسا على مقتضيات وفحوى النظام الأساسي العام للموظفين والوكلاء العُقدويين للدولة بموريتانيا( المنظم بالقانون 09.93 الصادر بتاريخ 18 يناير 1993).
وقد أعلنت الحكومة أن الهدف من إنشاء هذا السلك، هو دعمُ آليات التسيير الإداري العمومي عن طريق موظفين فنّيّين مختصين في الشؤون القانونية، قادرين على الاقتراح والتوجيه والإعداد والصياغة إزاءَ القراراتِ والتدابيرَ المتخذة في قطاعات الدولة، بهدف تعزيز الفاعلية الإدارية، وتقوية التحصين القانوني لعمل الحكومة.
وقد سبق لقطاع الوظيفة العمومية أن اكتتب دفعاتٍ بعضُها مرّ بفترة التكوين الأوّلي بالمدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، لكنها عند الترسيم ألحقتهم بسلك الإداريين المدنيين ثم بسلك مسيّري الأشخاص، وذلك بسبب غياب نظام خاص مُطبّق لوظيفة المستشارين القانونيين، مما يعكس ملمحا من مشهد عدم تنسيق العمل الحكومي، وارتجالية بعض القرارات الإدارية.
ولا يمكن على المستوى العام المجرد من واقع الإدارة العمومية، التقليلُ من قيمة أو من آثار إنشاء هذا السلك نظرا لارتباطه الوثيق بتأطير التصرفات القانونية والإدارية للدولة وبتنسيق الجهود الحكومية حول بناء المشروعية وغرسها في مختلف التدابير الوزارية، عن طريق موظفين فنيين مختصين وميدانيين، لا على معيار التعيين.
ويمكن استثمار هذا التوجه في ترقية العمل الإداري، والمساهمة في انتشال بعض القرارات من مستنقع المحسوبية والضغط الخاص السياسي والقبلي والخدماتي، لحساب معياريّة الأداء الإداري مهْما تَقَوَّى أهل "الواسطة" والتدخل السريع بحسب الزمان والسلطان، على مرأى ومسمع من الإداريين الفنيين الممارسين الذين لا يملكون -والحالة هذه- إلا السكوت وتنفيذ الترقيات والوضعيات الإدارية من دون سندٍ قانوني.
وإمعاناً في خطورة الآثار السيّئة- المُشاهدة- لتحييد بعض نُظُم و مسارات الأسلاك عن طريقها القويم الذي وُضِعتْ له أصلا، فإنّ مسار سلك القانونيين سيظل محل تخَوُّفٍ من أنْ يسلُك مسلك سلك سلفه وصِنوه وعدِيله بالمنطق القانوني: سلك مسيّري الأشخاص؛ الذي صار حُظوة يستأثر بها فقط من يملك ضغطا سياسيا مؤثرا لينال إعادة تصنيف سلكه، ولم يأخذ للأسف مساره المأمول ليكون رافدا لدعم التسيير العمومي، وليستقطب فقط الموظفين المؤهلين أو المستحقِّين وفق معايير معلومة عند تشكيله الأصلي.
ولعل نقطةَ إصلاحٍ جادة ومُحرَّرة من قيود المصلحة الخاصة على جميع الأصعدة، ستكون كفيلة بردّ الاعتبار للوظيفة العمومية كبناء إداري وكآلية لتنمية النسق التنظيمي المؤطِّر لمسارات الإنجاز في الدولة؛ ويقتضي ذلك عدم القفز على المقتضيات القانونية، وتمكين المواطنين من نيل انتظاراتهم ، والصرامة في ضبط وتنفيذ النظم بما يُحقق المشروعية ويُخفِّف من تِبعات آثار الخلل، وهذا من أولويات تحصين العمل الحكومي.
إنّ أيَّ مقاربة للتأطير القانوني لعمل إدارات الدولة، ولتنسيق التدابير والتصرفات، سيكون مفيدا وفعالا في مستقبل إدارتنا العمومية، وفي تجاوز العديد من الاختلالات المرتبطة بالارتجالية وتعقيد مسار الأداء ودراسة وتعميق القرارات المتّخَذة وعرضها على منطق الملاءمة ومقاصد المشروعية.














