
عند منعرج فم لكليته تتجاور بيوت الطين والأسمنت لترسم لوحة باللون البني الدكن الذي يرسخ الوشائج القوية بين الإنسان والأرض.. وعلى جنبات الطريق الاسفلتي قرب نقطة الدرك تقع قرية كوب أهل اليماني ليس هناك ما يميزها عن القرى المجاورة إلا موقعها المتميز على ناصية الطريق المعبد الذي يشق سهول آفطوط وهضابه الصخرية الوعرة قبل اختراق مرتفعات العركوب أوكدية واو، إنه الحبل السري الذي يربط عشرات المدن والقرى في ولايات النهر.
موقع وإن أمن للساكنة سهولة التنقل عبر الطريق المسفلت إلا أنه لم يؤمن لهم أبسط الخدمات الضرورية بما فيها الماء الشروب كما يقول التاجر شيخنا ولد أحمادي والذي يلح على ضرورة إنقاذ السكان من العطش، ومن الأمراض الناجمة عن شرب المياه الملوثة التي ينزحونها من بطون الوهاد والأودية..
محافر ومستنقعات
في القرى المجاور يجري العمل على تمديد شبكة المياه المستجلبة من بحيرة فم لكليته على بعد 12كم، لكن الشبكة ما زالت خارج الخدمة في العديد من القرى التي وصلها الحفر وأنابيب المياه المطمورة في باطن الأرض دون ترشح منها أي قطرة.
يعمل شيخنا في محل قرب النقطة الأمنية لبيع المواد الاستهلاكية وتحتل معلبات المياه أجزاء واسعة من المحل، ومع ذلك لا يبدو راضيا عن الواقع المعيشي الصعب للساكنة، والذين يرمون الباعة بالمضاربة والاستغلال حتى في أسعار المواد الأساسية واللحوم التي تكاد أسعارها أن تكون مماثلة لنظيراتها في نواكشوط. ورغم الشح في المياه العذبة لا أحد من الساكنة يمني نفسه بشراء المياه المعدنية والتي تبقى حكرا على الضيوف والزوار.
في مستقر الوادي القريب تتجاور حفر نزح المياه لتؤرخ لصراع مرير من أجل البقاء، ولتنازل الدولة عن وظيفتها في توفير أبسط الضرورات لسكان المنطقة التي تصنف ضمن نطاق مثلث الفقر أو الأمل يعلق أحد الساكنة.
جاور الماء
في الأفق البعيد تتراءى مرتفعات هضبة واوا الدكنة، لتوحي بتصحر المكان وقساوة التضاريس، فيما تخلت غابات الطلح المترامية في الوهاد القريبة عن وشاحها الأخضر خلال موسم الخريف وبدت أوراقها شاحبة تقاوم نسمات البرد القارس، وتتهيأ لفصل صيف قد يطول، لا يخفي الساكنة استبشارهم بوصول الشبكة إلى قراهم لكن آجال تنفيذ المشاريع العمومية عادة ما تبدو طويلة، ومخيبة للآمال يعلق أحد الساكنة.
وحدها قرية كوب أهل جعفر على بعد 7 كلم، التي ينعم سكانها بمضخة أرتوازية تم تعزيزها بالشبكة الجديدة وكانت حتى وقت قريب نقطة لتزويد مدينة فم لكليتها نفسها بالماء الشروب لكن طول المسافة وبعد الشقة يحول دون جلب المياه منها كما يشرح شيخنا لموفد الفكر وهو يشير إلى المتاريس التي خلفتها آثار الحفر لتمرير شبكات المياه.
فرحة لم تكتمل..
شح المياه وأزمات العطش التي تضرب قرى المنطقة من وقت لآخر فوتت على الساكنة فرصة الفرح بوصول إمدادات الكهرباء من سد مننتالي والتي ما زالت في بداياتها ..وحتى فرحة وصول شبكة المياه لم تكتمل كذلك بسبب انعدام الصيانة وترميم خزانات المياه التي
تضرت من ضخ المياه فلم تصمد جدرانها الاسمنتية، ولا زوايا خزاناتها الصفيحية كما يشرح أباي ولد محم من قرية كوب أهل جعفر التي كانت أول قرى المنطقة استفادة من مشروع الربط المائي.
يتطلع ساكنة قرى آفطوط إلى تسريع مشروع الربط بالمياه، والتدخل العاجل لتحقيق مطالبهم في توفير الماء الشروب بعد عقود من العطش والمعاناة.

















