
في سياق التحولات الثقافية التي تعيشها موريتانيا، تبرز قضية كتابة اللغات الوطنية كإحدى القضايا المصيرية التي تستدعي وقفة تأمل ومراجعة. فاعتماد الحرف اللاتيني في تدوين لغات متجذرة في الفضاء الإسلامي الإفريقي مثل اللغة السوننكية ليس خيارا بريئا بل هو استمرارية ناعمة لمسار تغريبي بدأ مع الاستعمار واستمر مع ألمودات مولير يهدف لفصل الأجيال عن تراثها الثقافي والديني. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في هذا القرار تمثل خطوة أساسية نحو استعادة السيادة الثقافية وتعزيز الانتماء الحضاري، من خلال تبني الحرف العربي، الذي يشكل امتدادًا طبيعيا لهويتنا المشتركة.
إن الأمة التي لا تكتب تعتبر أمة بلا تاريخ وبلا هوية لأن الأبجدية تعد من أبرز رموز الهوية وصبغة غالبة وشارة فارقة ولكن شاء القدر إلا تخط بعض الثقافات والمجتمعات بيدها حيث بخل التاريخ أن يروي لنا قبائل قارة الأم ومهد الإنسانية التي كانت لديها الخط والحرف إلا قليلا وكان من بين تلك المجتمعات التي لم تعرف لها خط ولا كتابة من تراثهم الثقافي المجتمع السوننكي المنتشر في جمهورية مالي وجنوب موريتانيا وشرق سنغال وغامبيا وغينيا إلا بعد احتكاكهم واتصالهم بالحضارة العربية الإسلامية وبفعل هذا الاحتكاك تم تبني الخط العربي خطا رسميا لتسيير وإدارة أمبراطورية غانا أو واغادو فوجدت رسائل ومخطوطات بالحرف العربي إثر اعتناقهم جميعا الديني الإسلامي وتبنيه دينا رسميا في إمبراطورية غانا فكان من الطبيعي أن تقبلوا علي تعلم اللغة العربية وخطها لأنهم مضطرين إلي أن يتصلوا باللغة العربية بحكم أن القرءان الكريم الكريم عربيا ولا يتأتي فهم الدين إلا باللغة وأساليب العرب ويذكر البكري أن ملك غانا اتخذ مسلمي العرب الذين وفدوا من الحجاز لغرض التجارة كتاب ضبط وتراجمة مما يؤكد علي اتخاذ الحرف العربي خطا رسميا للإمبراطورية السوننكية واستمرت هذه العلاقة بين ثقافتي السوننكية والعربية أخذا وعطاء إلي أن جاء المستعمر الأوروبي بهدف طمس هويات المستعمرين بأساليب قمعية فاستبدل اللغة العربية التي كانت سائدة في غرب إفريقيا المستعرب تحقيقا لأهدافه للقضاء علي الهويات والثقافات الذاتية للشعوب الإفريقي ووسم الشعوب ببشارته علما منهم بان اللغة العربية بالنسبة لهذه المجتمعات المسلمة إستراتجية تمس الأمن الثقافي والحضاري لهم وأنها العروة الوثقي بين الشعوب العربية الإسلامية مع الشعوب الأفارقة المسلمة ولذلك خططوا لإجبار هذه المجتمعات بالتخلي عن اللغة العربية وعلي سبيل ذلك ارتكبوا أبشع الجرائم الثقافية مثل ما ارتكبها الفرنسيون1908م في حق الثقافة والمعارف السوننكية والعربية الإسلامية في كيديماغا التي تمثلت بإشعال النار علي عدة مكتبات عربية إسلامية سوننكية في كل من قرية كيني وبوخورو وقمو وصالانكوندا….
واستمر هذا الصراع الثقافي بين الشعوب الإفريقية الإسلامية المقهورة والمستعمر الظالم عدة عقود إلي أن قرر هذا الأخير الرجوع وترك إفريقيا بعد طمس هويتها ونهب ثرواتها وإذلالها واستعبادها وهدم بنيتها الاجتماعية والاقتصادية...مخلفا وراءه تيارين متنازعين في الساحة الثقافية والاجتماعية والسياسية الافريققية الإسلامية
تيار مستعرب مؤيد للخط العربي
وتيار ألمودات مولير مؤيد للخط اللاتيني.
وقد ظل هذا الصراع محتدما منذ السبعينات في القرن الماضي بين هذين الاتجاهين في الساحة الثقافية السوننكية في موريتانيا وغيرها من الدول حول ما إذا كان ينبغي رسم اللغة السوننكية بالحرف اللاتيني أم بالحرف العربي علما بأن مناصري الحرف اللاتيني من ألمودات مولير كانت تدعمهم حضارة ضخمة ماديا ويموج فيها زاد فكري عميق وهي لغة الفلسفة والعلوم والتكنولوجيا ويري رواد هذا التيار أن الحرف اللاتيني هي التي تنسجم مع الواقع الحالي وأقرب إلي الحياة المعاصرة إذ جل المدارس والجامعات لاتينية إلي جانب توفر المطابع بالحرف اللاتيني وبناء علي هذه العوامل ينبغي رسم اللغة السوننكية بالحرف اللاتيني كي تتواكب مع الحضارة المعاصرة والتطور التكنولوجي والعلمي.
وفي المقابل يري تيار المستعربين بكتابتها أي اللغة السوننكية بالخط العربي المنمط لغة القرءان لغة الدين فذاك يكسبها عنصرا من القوة والاستمرار واعتبروا أن كتابة اللغة السوننكية بالحرف اللاتيني طمسا لهويتنا الذاتية وتراجعا لمكتسباتنا الثقافية وعلي هذا فينبغي رسم اللغة السوننكية بالحرف العربي لأن العربية تجول جولتها باسم الدين وباسم اللغة المقدسة...
وبينما كان أنصار الحرف العربي يشتغل ببناء الإنسان الإفريقي من جديد وتأسيسه بعمق بعد الأزمات التي مر بها من قبل المستعمر وما خلفه من آثار سلبية بادر ألمودات مولير بتجسيد موقفهم في الواقع فكتبوا وحرروا كتبهم ومقالاتهم بالحرف اللاتيني بدعم من الغرب بالتعلم والترويج والتمويل حتى أصبح الحرف اللاتيني واقعا لا مفر منه حيث كتبت المعاجم السوننكية بتلك الحرف وكان ءاخر هذه المعاجم حسب علمي معجم عثمان جاكانا الأستاذ والشاعر اللغوي السوننكي الموريتاني فقد مضي تيار المستعر الداعم للحرف العربي في مسيرته فهو لا تيقي شديد خصومة ولا كبير كيد بفعل نقص الدعم اللوجستي حتى وجد نفسه خارجا في الساحة الثقافية السوننكية تماما وانضم كثير منهم إلي ألمودات مولير حيث لم يعد يوجد مؤيدين أقوياء للحرف العربي في الساحة بل وأكثر من ذلك نري جهابذة المستعربين يكتبون ويحررون بالحرف اللاتيني مما جعلني سهل انتصار تيار ألمودات مولير علي تيار المستعرب سنة 1974 في باكل سنغال في تحديد هوية الثقافية للشعب الإفريقي المسلم السوننكي.














