موريتانيا بين الاستقرار والعبور: ماذا تكشف أرقام الهجرة عن واقع المهاجرين وآفاق إدماجهم؟

تحتل موريتانيا موقعًا محوريًا في خريطة الهجرة بغرب إفريقيا، بحكم امتدادها الجغرافي وتنوعها الاقتصادي وقربها من مسارات العبور نحو شمال القارة وأوروبا. هذا الموقع جعلها في آن واحد بلد استقبال وبلد استقرار مؤقت أو دائم لآلاف المهاجرين القادمين أساسًا من دول الجوار. 

وفي هذا السياق، تكشف دراسة ميدانية حديثة أُنجزت في مدن نواكشوط ونواذيبو وسيليبابي صورة دقيقة عن أوضاع المهاجرين، وتسلط الضوء على التحديات التي تواجه إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، كما تفتح النقاش حول السياسات المطلوبة لمواكبة هذه التحولات.

موريتانيا فضاء جذب للهجرة الشبابية

تُظهر نتائج الدراسة أن الهجرة في موريتانيا ذات طابع شبابي واضح، حيث يشكل الرجال نسبة 79 في المئة من مجموع المهاجرين مقابل 21 في المئة من النساء، مع تركّز كبير في الفئة العمرية ما بين 18 و29 سنة، تليها فئة 30 إلى 39 سنة. ويعكس هذا المعطى تشابهًا لافتًا مع البنية الديموغرافية للشباب الموريتانيين أنفسهم، الذين يغلب عليهم الطابع الشبابي والذكوري، ما يفسر حدة المنافسة في سوق العمل وارتفاع الطلب على فرص التشغيل.

ومن حيث بلدان الأصل، ينحدر أغلب المهاجرين من مالي بنسبة 46 في المئة ومن السنغال بنسبة 42 في المئة، وهو ما يؤكد أن الهجرة نحو موريتانيا ترتبط أساسًا بالحركية الإقليمية داخل غرب إفريقيا. كما تُبرز المعطيات أن الهجرة لا تزال في مجملها هجرة عمل، يغلب عليها الذكور، رغم وجود تفاوت نسبي في حضور النساء حسب البلد الأصلي، خاصة بين القادمين من غينيا والسنغال.

اندماج مهني هش ومعرفة قانونية محدودة

رغم أن نسبة كبيرة من المهاجرين تمكّنت من الاندماج في سوق العمل، خصوصًا في القطاعات غير المهيكلة، فإن الدراسة تكشف عن هشاشة هذا الاندماج بسبب ضعف الولوج إلى المعلومات القانونية والإدارية. ففي نواكشوط، صرّح 62 في المئة من المهاجرين بعدم معرفتهم بالإجراءات اللازمة للحصول على بطاقة الإقامة، بينما أكد 35 في المئة فقط أنهم على دراية بهذه المساطر.

ويؤثر هذا النقص في المعرفة بشكل مباشر على قدرة المهاجرين على الاستفادة من الخدمات الأساسية وبرامج الدعم والتكوين، كما يزيد من مخاطر الاستغلال وعدم الاستقرار. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل محدودية برامج التوعية وضعف قنوات التواصل الموجهة إلى المهاجرين، ما يجعل الكثير منهم يعتمدون على المعلومات غير الرسمية أو شبكات العلاقات الشخصية.

بين الاستقرار والطموح نحو الهجرة الثانوية

تشير نتائج الدراسة إلى أن موريتانيا تمثل الوجهة النهائية لعدد كبير من المهاجرين، حيث صرّح 79 في المئة منهم بأنهم لم يكونوا ينوون مواصلة الهجرة عند مغادرتهم بلدانهم الأصلية. غير أن 21 في المئة عبّروا عن رغبتهم في الهجرة نحو بلدان أخرى، خاصة نحو أوروبا، حيث تتصدر إسبانيا الوجهات المفضلة، تليها فرنسا ثم إيطاليا.

وتعكس هذه المعطيات واقعًا مركبًا، تتداخل فيه عوامل الاستقرار النسبي داخل موريتانيا مع طموحات البحث عن فرص أفضل في الخارج. كما تبرز الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر شمولًا، تقوم على تحسين الوصول إلى المعلومات، وتوسيع برامج التكوين المهني، ودعم المبادرات الاقتصادية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتقوية التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات المستقبِلة.

في ضوء هذه النتائج، يتضح أن ملف الهجرة في موريتانيا لم يعد قضية عابرة، بل أصبح عنصرًا بنيويًا من عناصر التحول الاجتماعي والاقتصادي. وهو ما يجعل الاستثمار في إدماج المهاجرين، إلى جانب دعم الشباب الموريتاني، خيارًا استراتيجيًا لضمان تنمية متوازنة وهجرة آمنة تخدم استقرار البلاد ومحيطها الإقليمي.

توصيات 

توضح نتائج الدراسة أن إدماج المهاجرين في المجتمع الموريتاني يتطلب تدخلاً متوازنًا يجمع بين التوعية القانونية، والتكوين المهني، والدعم الاقتصادي والاجتماعي. 
فمن جهة، يجب تعزيز حملات التوعية لتوضيح الإجراءات القانونية للحصول على بطاقة الإقامة، وتسليط الضوء على حقوق المهاجرين والخدمات المتاحة لهم. ومن جهة أخرى، يستلزم الأمر تطوير برامج تدريبية تتوافق مع احتياجات سوق العمل المحلي، وتشجيع المبادرات الاقتصادية الصغيرة وريادة الأعمال، بما يتيح فرصًا حقيقية للشباب والمهاجرين على حد سواء.

هذا وتؤكد الدراسة ان تقوية دور الجمعيات المحلية والمجتمعية في توجيه المهاجرين ودعم اندماجهم، ستسهم بشكل كبير في تعزيز التماسك الاجتماعي والاستقرار المحلي، وتحويل الهجرة من تحدٍ إلى فرصة للنمو والتنمية المستدامة.

رابط المقال:
https://reliefweb.int/report/mauritania/mauritanie-rapport-sur-le-profil...