
في الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء المنعقد بنوا كشوط في الرابع عشر من يناير الجاري 2026، استعرض الوزير الأول المختار ولد اجاي، بيانا أمام المجلس؛ أَوْجزَ من خلاله معالم حصيلة وآفاق النشاط الحكومي للعام 2025 في ضوء مستجدات السنة الإدارية والمالية المستأنَفة/ 2026؛ تمهيدا لعرض برنامجه للتزكيّة لدى الجمعية الوطنية كإجراء دستوري وسياسي وتقليد سنوي لنيل الثقة ضمن آليات الفصل المرِن بين السلطات، وتفعيل التعاون والتأثير المتبادل بينها.
يرتبط العمل الحكومي في مرتكزاته الأساسية على البرنامج الانتخابي الذي التزم به سياسيا رئيسُ البلاد منذ سنوات أمام الشعب؛ والذي وَسَمه بمُسمَّى يُلامس كوامن كل مواطن موريتاني ويتغلغل في وجدانه وسويداء قلبه، ويثير حاجاته البادية ورغباته الكامنة التي لم تُقْضَ بعدُ، إنه" برنامج طموحي للوطن"، وسنتعرض له من خلال محاوره المذكورة تباعا.
بدايةً أليس من حق المواطن أن يسأل عن هذا الطموح على أرض الواقع؛ وهل تحوّل من مجرد تفكير مصوغ بعبارات طوباوية تحمل شُحنة الشفقة والحُنُوِّ إلى أثر واقعي مشاهَد انصهرت فيه المقاصدُ في بوتقة البناء والفعل والأحوال الشاهدة على تجسيد الطموح؟
هل فعلا تقدّمنا اتجاه دعم وتقوية دولة القانون، ومكّنّا لقيام مؤسساتٍ قوية، تُدارُ بأسلوب حكيم راشد؟ أم أنّنا قوّضنا ما كان موجودا من الحكم المؤسسي وأذكيْنا جذوة القبليّة بالتمثيل السياسي وبالتعيين في المناصب السامية وغير السامية وبمباركة الحَشْدِ العشائري والمناطقي في العمل السياسي، وبحسم التوازن التمثيلي في المجالس والتنظيمات على أساس معيار شخصي غيرِ الكفاءة والاستقامة؟. نعم مازالت القبيلة تُوازي في حضورها وتساير في عنفوانها كيّان الدولة ومؤسساتها وتغالبها في النسق وفي الوظيفة.
وهل لنا الحديث عن أمل في الحكم الراشد بعد كلّ هذه الجهود طيلة سنوات من الخطاب السياسي الرسمي المُقِرّ بالفساد بِشِقَّيْهِ الإداري والمالي؛ دون أدنى مضايقة أو مساءلة تُحرّك آسِن بِرَكِه الراكدة؟
أين آيةُ الحكامة العصرية من ضرورة الصرامة في تنفيذ المشاريع المتعثرة؟ وأين هيَّ من تقاريرَ معلنةٍ وغيرِ معلنةٍ تؤكد استشراء الفساد، وأين هي من تغَوُّل أفذاذِ على حساب أمّة؟ وأين هيّ من ظاهرة التنكيل بمختلف أبعاده.
- من حقّ كل مواطن أن يعيش كريما؛ يأوي لدولة مؤسسات تتحسّنُ شيئا فشيئا نحو " خلق اقتصاد قوي الأداء صامد ومستدام بيئًيا". لكن هذا الطموح ظلّ مطلقا بعيد المنال؛ بل ربّما تَهاوى على صخر اليأس والخمود والارتجال وضَيْقِ الأُفُق، أين قوة الأداء والصمود من الفِقْدان المفاجئ في يومنا لبعض مواد التموين أو الدواء بين عشية وضحاها دون أدنى احتياط في البدائل؟ أقراص الدواء تختفي فجأة ومحطات البنزين تجفُّ بين الفينة والأخرى، وربما غدا يأت الدور على قنينات الغاز المنزلي، ومن يدر إذ قد تجوب بها أطراف العاصمة لا تلقى غازا، والمضارباتُ تفعل فعلها في السوق، إن يغضب زيدٌ أو يُزْبِدْ ويُرعد عمرو. ولِيُقَس ما لم يقل في الباب..
- أين تحسين ظروف المعلم وبعضهم مضرب لايريد المستحيل بل يطالب بالدواء والقليل من التأمين الصحي في وطنه الذي يشاع أنه أمن السهل والجبل دون أن ينعكس ذلك حقا على صحة المواطن المكدود، نعم إن المعلم حامل الخير والمسك يطلب من دولته علاوة على تجشمه العناء وتحمله لمضار وأتعاب الطبشور، باعتبار ذلك حق أصيل لمقدمي خدمات التعليم.
- هل صحيح أنّ أطراف نواكشوط مكتنفة بمصانع متهالكة لا تتقيّد بشيء من ضوابط حفظ البيئة وسلامة المواطنين، تنبعث منها مخلّفات خطيرة ومزعجة وخانقة؟ فضلا عن المكبّات وآثار شركات التنقيب الخطيرة، فأين ذلك من طموحنا في التمكين من أجيال الحقوق المقررة في قمم الأرض الدولية إزاء العيش في بيئة سليمة لا تُشبِهُ مكبّ تفيريت، أو مقالع القمامة بأطراف العاصمة.
- هل من أملٍ في تطوير رأس مالنا البشري بعد كل هذا الزخم الإعلامي والسياسي حول ضرورة التكوين والتأهيل، وبعد الانخراط في الفعاليات الدولية حول التنمية البشرية؛ أم هو ذر للرماد في العيون؟ أين أمل الشباب في مشاركتهم السياسية والاستثمارية؟ وأين تمكينهم أمام سيل التدوير الذي لا ينقضي بسن التقاعد؛ فمجالس الإدارة بيئة مفضّلة وغطاء قانوني للاحتفاظ بالمؤثرين في المجتمع لكسب الولاء على حساب حاملي المؤهلات العلمية المحرومين من تسيير شأن بلدهم.
وأين دعم الجهود الشبابية في طموحهم وفي التمكين لأثرهم الطيب الواعد؟
- وأخيرا، متى سنرفع موضوع الوحدة الوطنية عن التجاذب وعن قياس الأداء ضمن برنامج حكومي محدد، ألم تدركوا أنها شيء فوق ذلك، بها نلتئم وننسجم وبها يقوى كيّاننا.
ولا يخدم البلد أن نعالجها من منظور وَقْتِيٍّ أو بِتَرْضِيّة لفلان أو علان وهو من القضية بمعزل إلا عند العطاء والابتزاز؛ بل بأخذ أسباب القوة لكل الشعب وبدعم المناطق الريفية بتوفير التعليم وتوطين ظروف العيش وبدعم الاستقلال المالي لكل أسرة.
إنّ طموح المواطن في تحقيق بعض برنامج "طموحي للوطن"، تُدافعه أمورٌ تتداعى عليه من كل جانب؛ في ظرف وطني يغلب فيه شعار الحوار؛ مما قد ُيُضيفُ للحكومة مشاغلَ جديدة وأولوياتٍ لم تكن في الحسبان أو يُدخِلَها في مُفاهماتٍ خارجة عن منطق الاستحقاق والمعيارية...














