الإرهاب في شمال مالي: هولاند واستراتيجية الضرب المباشر

في صحراء شمال مالي، حيث تختلط الرمال بالحدود الضبابية، تخوض فرنسا حربًا مختلفة عن الحروب التقليدية.

منذ مطلع hgعام 2013، اعتمدت باريس سياسة تستهدف القضاء المباشر على قادة الجماعات المسلحة، بأسلوب سريع وحاسم يشبه تصرفات "رعاة البقر" في أفلام الغرب، حيث تتحرك القيادة الفرنسية خلف الكواليس، وعلى رأسها الرئيس فرانسوا هولاند، لإصدار التوجيهات وتنفيذها عبر القوات الخاصة دون المرور بإجراءات قضائية رسمية.

وقد شكلت هذه السياسة السرية محور الاستراتيجية الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، لكنها أثارت جدلاً واسعًا على الصعيدين الأخلاقي والقانوني، خاصة مع تصفية عدد من قادة الجماعات المسلحة دون أي محاكمات أو تحقيقات.

قادة بارزون في مرمى النيران

خلال ربيع 2015، أعلنت باريس عن مقتل شخصيتين بارزتين في الجماعات المسلحة شمال مالي. الأول هو عبد الكريم التارقي، المعروف بنشاطه في اختطاف الفرنسيين في مالي والنيجر خلال السنوات الخمس السابقة، ومن بينهم الصحفيان اللذان قُتلا في كيدال سنة 2013. التارقي كان يتولى موقعًا قياديًا في إحدى كتائب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ما جعله هدفًا أمنيًا دائمًا.

أما الشخص الثاني، فهو إبراهيم أغ إينوالن، الملقب بـ "بانا"، وهو عسكري مالي سابق انشق عن الجيش وانضم إلى جماعة أنصار الدين، حيث وُصف بأنه المقرب الأول من زعيم الجماعة إياد أغ غالي. نُسب إليه دور في أحداث دموية وقعت في أغلهوك يناير 2012، راح ضحيتها العشرات من الجنود الماليين.

َوقد قُتل الرجلان مع عنصرين آخرين خلال عملية نفذتها القوات الخاصة الفرنسية قرب الحدود الجزائرية فجر يوم 18 مايو، في عملية قالت القيادة العسكرية الفرنسية إنها جاءت ردًا على إطلاق نار. لكن كثيرين اعتبروا أن العملية تمثل تنفيذًا مباشرًا لأوامر هولاند، خارج أي إطار قضائي، ما يفتح جدلاً حول حدود السلطة في زمن الحرب.
عقيدة القضاء على الخطر قبل محاكمته

تعتمد باريس في هذه العمليات على ما يُعرف بـ "التحييد المباشر"، وهي استراتيجية تركز على القضاء السريع على قيادات الجماعات المسلحة قبل أن تتمكن من تنفيذ عمليات خطف أو هجمات إرهابية. خلال ثلاث سنوات من العملية العسكرية في مالي، سقط نحو عشرين من القادة الميدانيين للجماعات المسلحة، دون أن يُلقى القبض على أي منهم حيًا.

هذه السياسة، رغم فعاليتها العسكرية، أثارت استياء منظمات حقوق الإنسان ووضع فرنسا في موقف محرج دبلوماسيًا، خاصة أن هولاند كان يروج دوليًا لإلغاء عقوبة الإعدام والدفاع عن حقوق الإنسان، ما جعل خطاب الحرب على الإرهاب محاطًا بالانتقادات والجدل الأخلاقي.

غياب العدالة وأسئلة مفتوحة

في مالي، تركت هذه العمليات شعورًا بالخيبة لدى الأجهزة القضائية، إذ كانت فرصة الاستماع إلى القادة المشتبه بهم قد تسهم في كشف تفاصيل جرائم اختطاف وقتل هزّت المنطقة. لكن منطق الحرب غالبًا ما يتجاوز العدالة، ويختصر القضايا المعقدة في ضربة واحدة، تاركًا خلفه أسئلة عن مستقبل القانون، حدود السلطة، والثمن الحقيقي لسياسة تُدار في الظل، لكنها تُقرر مصائر كثيرة على الأرض.
رابط المقال:
https://www.jeuneafrique.com/233391/politique/terrorisme-quand-hollande-...