
لم يعد من الممكن النظر إلى ما يجري حولنا بوصفه سلسلة أحداث متفرّقة، ولا الاكتفاء بتفسيره بمنطق السياسة الآنية أو ردود الأفعال العابرة. فالأمة اليوم تعيش تحوّلا حقيقيا، تحوّلا يتشكّل ببطء ولكن بثبات، تحوّلا يمس الوعي قبل أن يمس الخرائط، ويطرق أبواب النفوس قبل أن يظهر في موازين القوى. تحوّلا تتداخل فيه السياسة بالتاريخ، والعقيدة بالواقع، والسنن الربانية بحركة البشر. لقد جاءت الأحداث الأخيرة، وفي مقدّمتها طوفان الأقصى، لتوقظ في الأمة أسئلة كبرى ظلّت مؤجَّلة أو مُغيَّبة، وتفرض عليها أن تنظر في المرآة بصدق، وأن تعيد قراءة موقعها في معادلة الصراع، بعيدا عن الأوهام والتهوين.
ومن لم ينتبه إلى هذا التحوّل، أو تعامل معه باستخفاف، فسيجد نفسه خارج سياق التاريخ، يفسّر النتائج بعد وقوعها دون أن يفهم مسارها.
لقد جاء طوفان الأقصى ليكسر حالة الجمود الطويلة، لا لأنه غيّر موازين القوة فجأة، بل لأنه أعاد تعريف الأسئلة. أعاد طرح سؤال: من نحن؟ وما طبيعة الصراع الذي نخوضه؟ وهل نحن أمة لها مشروع ورسالة، أم تجمعات بشرية تنتظر ما يُقرَّر لها؟ لقد كشف الطوفان هشاشة كثير من اليقينيات التي تشكّلت خلال عقود، وأسقط وهم أن الاستقرار يمكن أن يُشترى بالتنازلات، أو أن الصراع يمكن أن يُدار بلا كلفة، متناسين أن الله تعالى جعل التدافع سنّة ماضية، فقال:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
هذا التحوّل لا يُقرأ فقط من فلسطين، بل من مجمل المشهد الإقليمي والدولي.
فأرض الشام (سوريا) التي ظنّ كثيرون أن نارها خمدت، تعود اليوم إلى واجهة التاريخ، لا بوصفها ساحة صراع محلي، بل باعتبارها عقدة مركزية في إعادة تشكيل المنطقة. وما شهدته من تدمير وتهجير لم يكن عبثا، بل كان جزءا من إعادة ترتيب قاسية، لم تنته فصولها بعد.
وفي الشرق تتكثّف الاستعدادات لاحتمالات حرب إيرانية، لا يُعرف متى تنفجر، لكنها تُدار منذ الآن على مستوى التحالفات والرسائل والضغط المتبادل.
وفي الخليج، بدأت تتشكّل ملامح تنافس وصراع مصالح بين قوى إقليمية كبرى، بعد سنوات من التوافق الظاهري، بما يؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة سيولة استراتيجية، لا مكان فيها للثبات الوهمي.
وفي موازاة هذا التحوّل السياسي والعسكري، تتكشّف ملامح انهيار أخلاقي واجتماعي عميق في الغرب، ظهرت بعض معالمه الصادمة في ما عُرف بـ وثائق إبستين. فهذه الوثائق لا تمثّل مجرّد فضيحة أخلاقية عابرة أو انحرافا فرديا، بل تكشف بنية متجذّرة من التواطؤ بين المال والسلطة والإعلام، حيث تُستباح الطفولة، وتُداس الكرامة الإنسانية، ويُطوى الحق باسم النفوذ. إنها صورة صريحة لانهيار منظومة تدّعي قيادة العالم أخلاقيا، بينما تعاني من فراغ قيمي عميق في داخلها.
وهنا يتأكد أن الصراع الدائر لا يقتصر على الجغرافيا أو المصالح السياسية، بل يتجاوز ذلك إلى صراع عميق بين منظومات قيم ورؤى للإنسان والحياة. وليس التهديد الأكبر لمجتمعاتنا المسلمة نابعا من مظاهر الانهيار الغربي في حدّ ذاتها، بقدر ما يكمن في قابلية بعضنا للانبهار بها، أو تمريرها وتبريرها تحت لافتات الحداثة والحرية والانفتاح. ومن هنا تتبدّى المعركة التربوية بوصفها معركة مصير، لا ترفا فكريا، ولا خطابا وعظيا منفصلا عن واقع الصراع وسننه.
وسط هذا كله، يبرز السؤال التربوي الجوهري: كيف تتعامل الأمة مع هذا الواقع؟ هل بعقلية المتفرّج القَلِق، أم بعقلية الشاهد المسؤول؟ إن أخطر ما يمكن أن نُصاب به في هذه المرحلة هو الفصل بين الوعي الإيماني والواقع السياسي، أو تحويل الدين إلى خطاب تعزية، لا إلى منهج إعداد وبناء. فالقرآن لم ينزل ليُخدّر القلوب، بل ليوقظها، ولم يُنزّل ليُبرّر العجز، بل ليُعلّم سنن النهوض، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
﴾.
وهي آية تضع الأمة أمام حقيقة ثابتة وهي أن طريق التّمكين والعزة له ثمن، وأن الاصطفاء لا يكون بلا تضحيات.
إن التحوّل الذي نعيشه يفرض إعادة الاعتبار للتربية بوصفها الأساس لأيّ نهوض حقيقي. تربية تُعيد بناء الإنسان على الصبر، والانضباط، وضبط العاطفة، وفهم الأولويات، وعدم الانجرار إلى الاستقطابات الحادّة التي تمزّق المجتمعات من الداخل. فما أكثر ما نخسره اليوم بسبب صراعات جانبية، ونقاشات حادّة، وانشغال بالفرع عن الأصل، في وقت تحتاج فيه الأمة إلى رصّ الصفوف، وتخفيف التنازع، امتثالا لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
كما يفرض هذا التحوّل فهما ناضجا لمعنى الإعداد، بعيدا عن التهوّر أو التواكل. فالإعداد في ميزان القرآن شامل، يبدأ بإعداد النفس، ويشمل العقل والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، قبل أن يصل إلى السلاح. قال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾،
و”ما استطعتم“ تعني الواقعية، والتدرّج، والعمل المتراكم، لا القفز على السنن ولا استعجال الثمار.
وفي هذا السياق، تتأكّد مسؤولية تحصين مجتمعاتنا المسلمة أخلاقيا وتربويا: في المناهج التي يجب أن تُعيد الاعتبار للقيم بوصفها أساس العمران، وفي المدارس التي تصنع الوعي والسلوك، وفي البيوت التي تُشكّل الفطرة الأولى، وفي المساجد التي ينبغي أن تستعيد دورها التربوي الشامل، لا أن تُختزل في خطاب موسمي أو وعظ منفصل عن هموم الواقع.
وفي ختام هذا المشهد، يتبيّن أن التحوّل الذي نعيشه ليس قدرا مفروضا علينا بلا خيار، بل امتحان تاريخي، يختبر صدق وعينا، وعمق تربيتنا، وقدرتنا على الانتقال من ردّة الفعل إلى الفعل، ومن الانفعال إلى التخطيط، ومن التفرّق إلى الاجتماع على المقاصد الكبرى.
وخلاصة الأمر أن الأمة اليوم على مفترق طرق:
إمّا أن تتعامل مع هذا التحوّل بعقل تربوي بصير، يعيد بناء الإنسان، ويُصلح الداخل، ويستعدّ لطول الطريق، وإمّا أن تستهلك اللحظة في الجدل والانقسام، فتُفوّت الفرصة كما فوّتت غيرها.
فنحن نعيش تحوّلا حقيقيا، لكنه تحوّلٌ مسؤول، يطالبنا بالعودة إلى القرآن لا تلاوةً فحسب، بل منهجا، وبالاستعداد للصراع لا تهوّرا، بل بصيرةً وثباتا، وبالعمل على التمكين لا استعجالا، بل وفق سنن الله في التغيير والنصر.
ويبقى سؤال الجوهر حاضرًا بإلحاح:
هل نحن مستعدّون لأن نُربّي أنفسنا ومجتمعاتنا على وعي الصراع، وصبر الطريق، وكلفة التمكين، أم سنظل ننتظر التحوّل دون أن نكون جزءا من صناعته؟
الكاتب: يحي عابدين
أمين الشباب في المكتب التنفيذي للرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني.














