دول الساحل: اندفاع أنظمة التحالف نحو المجهول

في قلب المشهد الساحلي المضطرب، جاء استهداف مطار نيامي ليقلب المعادلات التي حرصت الأنظمة العسكرية على ترسيخها في الوعي العام. لم يكن الهجوم حادثاً أمنياً عابراً، بل رسالة قاسية مفادها أن المراكز السيادية لم تعد بمنأى عن الضربات، وأن الخطاب القائم على استعادة السيطرة وبسط الأمن بات عاجزاً عن الصمود أمام الواقع الميداني المتدهور.

وقد أعاد هذا الاختراق الخطير  التذكير بتجارب مشابهة شهدتها عواصم ساحلية أخرى، حيث تمكنت جماعات مسلحة من الوصول إلى منشآت كانت توصف بالحساسة والمحاطة بإجراءات صارمة. ورغم التزام السلطات الصمت حيال حجم الخسائر، فإن رمزية المكان المستهدف كانت كافية لكشف هشاشة المنظومة الأمنية، وإظهار أن مفهوم السيادة المرفوع في الخطاب الرسمي لم ينجح في تحصين مراكز القرار ولا في طمأنة السكان.

**انهيار الخطاب الأمني وسياسة التعتيم

مع تصاعد الهجمات واتساع رقعتها، اختارت الأنظمة الحاكمة في دول الساحل تشديد القبضة على المعلومة، فتم خنق الفضاء الإعلامي وتحويل النقد والتحليل إلى أفعال تُواجَه بالقمع. لم تعد الرقابة استثناءً، بل أصبحت نهجاً دائماً يهدف إلى صناعة صورة انتصار مستمر، في وقت تتراكم فيه المؤشرات على تفاقم العنف وازدياد عدد الضحايا في مناطق واسعة.

غير أن هذا التعتيم لم يفلح في إخفاء حقيقة أن العنف بات أكثر كثافة وانتشاراً، وأن المناطق الحدودية تعيش حالة استنزاف دائم. فالهجمات المتكررة على طرق الإمداد والمراكز الأمنية خلقت شعوراً عاماً بانعدام الأمان، ودحضت مزاعم القدرة على حماية البلاد، بل وأظهرت أن الأزمة أعمق من مجرد ثغرات عسكرية عابرة.

إلى جانب ذلك، ساهمت القطيعة مع الأطر الإقليمية في إضعاف التعاون الأمني، ففقدت الجيوش أدوات التنسيق وتبادل المعلومات، ما أتاح للجماعات المسلحة هامش حركة أوسع، خاصة في المناطق الفاصلة بين الساحل وعمقه الإقليمي. هذا التفكك لم يضر بدول الساحل وحدها، بل هدد استقرار محيطها، وفتح الباب أمام انتقال العنف إلى مناطق كانت حتى وقت قريب أكثر أمناً.

ارتهان جديد تحت شعار الاستقلال

في مواجهة هذا الانسداد، لجأت السلطات إلى خطاب تحميل المسؤولية لدول مجاورة، متهمة إياها بدعم زعزعة الاستقرار. غير أن هذه السردية تصطدم بالوقائع الجغرافية والعسكرية، إذ تتركز بؤر التهديد في مناطق معروفة، بعيداً عن الحدود التي يجري التلويح بها سياسياً. كما أن تعطيل التعاون مع الجوار لا يخدم سوى الجماعات المسلحة، التي تستفيد من الفراغ والتوتر الإقليمي.

الأكثر لفتاً للانتباه هو التناقض في مفهوم السيادة الذي ترفعه هذه الأنظمة. فبينما يُقدَّم الابتعاد عن شركاء تقليديين بوصفه تحرراً من الهيمنة، يجري في المقابل الارتماء في أحضان دعم خارجي آخر، رُوِّج له على أنه شراكة بديلة. هذا الخيار ترافق مع اتهامات متزايدة بانتهاكات جسيمة، غذّت مشاعر الغضب والانقسام داخل المجتمعات المحلية، ومنحت الجماعات المتطرفة أسباباً إضافية للتغلغل والتجنيد.

عموما، تبدو دول الساحل عالقة بين خطاب سيادي مرتفع النبرة وواقع أمني يزداد هشاشة. فالمستقبل لن يُبنى بالشعارات ولا بإسكات الأصوات الناقدة، بل بإجابات عملية تعيد الأمن إلى حياة الناس. وإذا استمر التباعد بين القول والفعل، فإن الصمت المفروض اليوم لن يصمد طويلاً، وسيبقى وقع الأحداث أقوى من أي رواية رسمية تحاول تجاهله.

رابط المقال:
https://www.lepoint.fr/afrique/au-sahel-la-fuite-en-avant-des-regimes-de...