
تقع موريتانيا بين الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل، وهي بلد ذو جذور أفرو-عربية متشابكة، غالباً ما يُنظر إليه كزاوية هادئة في منطقة مضطربة. ففي حين تواجه معظم دول غرب إفريقيا أزمات سياسية وأمنية متكررة، حافظت نواكشوط على استقرار ملحوظ منذ عام 2008، بما في ذلك انتقال سلمي للسلطة في عام 2019 إلى الرئيس محمد ولد الغزواني، بينما كانت دول الجوار تغرق في الفوضى.
استقرار داخلي قائم على التوازن والمرونة
يعتمد استقرار موريتانيا على دمج الدين في النظام السياسي بشكل يقلل من تأثير التيارات الجهادية. فقد جعلت الدولة الإسلام ديناً رسمياً والشريعة المصدر الرئيسي للقوانين المدنية والعائلية، مع حصر المناصب العليا بالمواطنين المسلمين. هذا النهج المصحوب بمراقبة المساجد وتنظيم الخطب وتوظيف الأئمة تحت إشراف الدولة أسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
كما ركزت الدولة على تطوير القدرات العسكرية، من خلال تحديث المعدات وإنشاء وحدات تدخل سريعة الحركة، وبرامج للتواصل مع المساجين المرتبطين بالجماعات المتطرفة. ويضاف إلى ذلك إدارة التوازنات القبلية والاجتماعية، حيث تُحافظ الدولة على دور القبائل الكبرى في السياسة والإدارة لضمان استقرار طويل الأمد، رغم أن هذا يحد من الشمولية ويترك بعض الجماعات المهمشة.
دبلوماسية مرنة بين القوى الإقليمية والدولية
على الصعيد الخارجي، اتبعت موريتانيا سياسة مرنة تقوم على الاستفادة من التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، دون الانحياز الكامل لأي طرف. حافظت على علاقات متوازنة مع الصين وروسيا، وفي الوقت نفسه استمرت في التعاون الأمني مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، وشاركت في برامج تدريبية ضمن حلف شمال الأطلسي.
كما استفادت من التنافس بين المغرب والجزائر لتعزيز مشاريع البنية التحتية وجذب الاستثمارات دون الانحياز لأي طرف. وفي المنطقة الغربية، يضع تدفق اللاجئين الماليين الدولة أمام تحديات كبيرة على صعيد الموارد والخدمات العامة، ما يجعل إدارة الحدود ومراكز اللاجئين مسؤولية حساسة ومكلفة.
الغاز والطاقة نافذة لتعزيز النفوذ الإقليمي
مع بدء إنتاج الغاز الطبيعي في حقل تورتي أمييم الكبير بالتعاون مع السنغال، بات لدى موريتانيا فرصة لتعزيز دورها الإقليمي. التركيز هنا ليس على التصدير الضخم، بل على الاستخدام الذكي للموارد لتطوير الطاقة الكهربائية، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز التعاون مع دول غرب إفريقيا.
تؤكد هذه الخطوة أن موريتانيا تستطيع تحويل الاستقرار الحالي إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية، شريطة أن تحافظ على استقلالية قراراتها وتوسع الشمولية الاجتماعية والسياسية. وهكذا، يصبح البلد لاعباً محورياً قادرًا على مواجهة تحديات 2030، وتحويل موقعه الجغرافي ومورده الطبيعي إلى أدوات للنفوذ والتنمية المستدامة.
رابط المقال:
https://www.jean-jaures.org/publication/mauritanie-2030-la-stabilite-a-l...














