موريتانيا: بين دعوة البناء وأزمة البنّائين-  ذ-أحمد حبيب صو

  في قلب ولاية كوركول، ومن على منصة مهرجان كيهيدي، أطلق الرئيس محمد الشيخ الغزواني دعوة تحمل جوهر المشروع الوطني الذي يسعى لترسيخه: بناء موريتانيا على أساس الوحدة والمواطنة، حيث يكون التنوع ثروة لا نقمة، وحيث تُبنى الحقوق على هوية الانتماء للوطن لا لغيره. لقد طرح الرئيس رؤيته للبناء عبر أدوات الدولة: المدرسة الجمهورية، مشاريع التنمية، وتوفير الخدمات. إنه "ماذا" نريد أن نبني: دولة قوية، متماسكة، ومزدهرة.

لكن هنا، وفي المساحة الفاصلة بين الحلم والواقع، أجد نفسي أتساءل: إذا كانت الدولة قد رسمت المخطط، فمن هم البنّاءون الذين سيُحوّلون هذا المخطط إلى صرح شامخ؟ أرى أن الدعوة النبيلة للبناء الجماعي تصطدم بواقع طبقة سياسية، في جزء كبير منها، تحترف استخدام الانقسامات كوسيلة للبقاء، وتنظر إلى السياسة كغنيمة ومسار للتكسب الشخصي، لا كأداة لخدمة الصالح العام.

إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: "إن لم نبنها معاً، فمن سيبنيها لنا؟". هذا ليس مجرد سؤال بلاغي، بل هو تشخيص دقيق للمعضلة الموريتانية. فالبناء "معاً" يستحيل أن يتم بنفس العقليات التي رسّخت منطق "أنا ومن بعدي الطوفان".

   يستحيل أن يتحقق بنفس النخب التي حوّلت التنوع إلى ورقة ابتزاز سياسي، والقبيلة إلى حزب، والجهة إلى إقطاعية.

  إن دعوة الرئيس للوحدة، على سموّها، ستظل صدى في وادٍ سحيق ما لم تُصاحبها جراحة مؤلمة وضرورية: إزاحة كل سياسي غير منتج، ومحاربة الفساد بصرامة، وتجديد الدماء السياسية بأخرى تؤمن فعلاً بأن الوطن أكبر من المصالح الشخصية.

  من هنا، يتحول النقاش من "ماذا نبني؟" إلى "بمن نبني؟". لا يمكن بناء دولة المواطنة بأدوات الفئوية ولا يمكن ترسيخ الوحدة الوطنية عبر شخصيات بنت أمجادها على تمزيقها.

إن الرؤية الرئاسية تمثل "البرنامج" الرسمي، لكن نجاح هذا البرنامج يقتضي وجود "دفتر شروط" أخلاقي وعملي، شرطه الأول هو وجود "بنّائين" حقيقيين، لا مجرد مقاولين للمصالح الضيقة.

إن التقاء رؤية القمة مع تطلعات القاعدة ليس في الهدف فقط، بل في الإقرار الضمني بأن المسؤولية جماعية.

 الرئيس يدعو الجميع للمشاركة في ورشة البناء، ولكن يجب أن ندرك أن هذه الورشة لن تنجح إلا بتطهيرها من أولئك الذين يسرقون مواد البناء ليلاً. فبناء الأوطان ليس مسؤولية الحكومات وحدها، بل هو واجب كل فرد يرفض أن يكون أداة في يد سياسي فاسد، وكل مواطن يقرر أن يرى في جاره المختلف عنه شريكاً في الوطن، لا خصماً في الغنيمة.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال المحوري قائماً. والإجابة تكمن في أن البناء "معاً" لا يعني فقط اجتماع الأفراد، بل يعني بالدرجة الأولى اجتماعهم على مبادئ وقيم مشتركة، أهمها أن مصلحة موريتانيا تأتي أولاً وقبل كل شيء. وهذا لن يحدث إلا عندما تتطابق رؤية القمة مع ممارسات القاعدة، وعندما يصبح "البنّاء" مؤمناً بالمشروع الذي يبنيه.