المحتوى المحلي: من المورد الطبيعي إلى الثروة المستدامة- المهندس الهيبة سيد الخير

في الآونة الأخيرة، تساءل العديد من المواطنين عن ماهية "المحتوى المحلي"، وذلك إثر تعيين رئيس للأمانة الوطنية المكلفة به، وقد أثار هذا التعيين اهتماما واسعا، وطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا المفهوم، وأهدافه، ودوره في الاقتصاد الوطني. يأتي هذا المقال لتنوير الرأي العام الوطني حول هذا الموضوع الحيوي، ووضعه في سياقه الصحيح، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية التي يمكن ان تحول ثرواتنا الطبيعية الناضبة إلى تنمية مستدامة.

  1. المحتوى المحلي مفهوم اقتصادي استراتيجي

المحتوى المحلي ليس إجراء إداريا عابرا، ولا شعارا سياسيا ظرفيا، بل هو سياسة اقتصادية عميقة تهدف إلى ضمان أن تتحول الموارد الطبيعية إلى قيمة حقيقية داخل الاقتصاد الوطني، ان الاستفادة من استغلال الموارد الطبيعية الناضبة، لا يكمن فقط في منح حقوق اسناد أو تخصيص حصص في المشاريع، بل في درجة الاستفادة الفعلية التي يحققها البلد من خلال التشغيل المحلي، والمشتريات الوطنية، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات، وتعزيز قدرات المؤسسات.

إن التجارب الدولية أظهرت أن الاستفادة الحقيقية من الصناعات الاستخراجية لا تقاس بنسبة الملكية أو بحجم الريوع المباشرة فحسب، بل بمدى اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة المرتبطة بهذه الصناعات. فقد تحصل الدولة على نسب مرتفعة من العائدات أو على حقوق اسناد واسعة، لكنها تظل محدودة الأثر إذا كانت المعدات مستوردة، والخدمات أجنبية، وسلاسل التوريد خارجية.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية تكمن في قدرة البلد، على الاحتفاظ بجزء معتبر من الإنفاق الذي تولده هذه الصناعات داخل اقتصاده، فحين يتم تشغيل المواطنين في وظائف ذات قيمة مضافة عكس ما نشهده حالا، وتشارك الشركات الوطنية في تنفيذ العقود، وتنتقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الداخل، تتحول الموارد الطبيعية إلى رافعة تنموية شاملة.

يعتبر المحتوى المحلي الضامن الأساسي لتفادي ما يعرف بلعنة الموارد، فالكثير من الدول التي اعتمدت فقط على الريوع المباشرة، دون بناء قدرات بشرية ومؤسساتية وجدت نفسها أمام اقتصاد هش يعتمد على مورد واحد، معرض لتقلبات الأسعار، وغير قادر على خلق فرص عمل مستدامة. وهذ ما شهدته البلاد عقب طفرة 2009-2015 إثر تراجع أسعار الحديد والذهب، مما أوقف العديد من الاستثمارات وسبب ركودا كبيرا، وقد كان بالإمكان تجنبه لو ان الحكومة حينها استثمرت في بناء المهارات، ودعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز التصنيع والخدمات المرتبطة بالموارد، مما كان سيسمح ببناء اقتصاد حقيقي بدل الاستثمار في بني تحتية غير ذات كفاءة وتشكل في اغلب الأحيان أعباء إضافية على انهائها واستغلالها.

ان المحتوى المحلي ليس مجرد أداة تنظيمية، بل هو استراتيجية حماية للاقتصاد الوطني من مخاطر الاعتماد الأحادي، وهو المسار الذي يضمن أن تبقى القيمة داخل البلد، وأن تتحول الصناعات الاستخراجية من مورد قابل للنضوب إلى قاعدة لبناء اقتصاد منتج ومستدام.

إن الفرق بين دولة تملك موارد طبيعية ودولة تستفيد منها فعليا ،يكمن في درجة تفعيل المحتوى المحلي، فحين تكون الاستفادة مبنية على بناء الإنسان والمؤسسة والمعرفة، تصبح الثروة أداة للتقدم، أما إذا اقتصرت على الحقوق الشكلية والعائدات المالية، فإنها قد تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي. ولذلك فإن المحتوى المحلي يمثل الخيار الاستراتيجي لضمان أن تكون مواردنا نعمة دائمة، لا لعنة عابرة.

  1. التكوين الفني والمهني ركيزة أساسية

إن نجاح المحتوى المحلي مرتبط مباشرة بقدرة البلاد على توفير كفاءات مؤهلة قادرة على الاستجابة لمتطلبات المشاريع الحديثة، ولهذا جاء الاهتمام بالتكوين الفني والمهني ضمن البرنامج الرئاسي "طموحي للوطن" باعتباره أداة مركزية للإدماج المهني وبناء رأس المال البشري.

يشكل اعتماد منهجية الجودة في منظومة التكوين، إلى جانب إنشاء المدرسة الوطنية للنفط والغاز، خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ يؤسس ذلك لتكوين متخصص عالي المستوى في قطاع حيوي يشهد نمواً متسارعاً وتطلباً متزايداً على الكفاءات الوطنية.

كما أن الاستعداد لإطلاق قطب تكوين جديد في دار النعيم، في إطار الشراكة مع البنك الإسلامي للتنمية، يعكس إرادة واضحة لتوسيع العرض التكويني وتحديث بنيته ومضامينه، بما يواكب حاجيات سوق العمل ويرفع من قابلية تشغيل الشباب، ويعزز قدرتهم على الاندماج الفعّال في المشاريع الوطنية ذات القيمة المضافة العالية

  1. تصنيف شركات البناء وأثره على المحتوى المحلي

من الإصلاحات المهمة المرتبطة بتعزيز المحتوى المحلي، الإصلاح المتعلق بتصنيف شركات البناء والأشغال العمومية، فهذا الإصلاح لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل يشكل أداة استراتيجية لتنظيم السوق ورفع مستوى الاحترافية، لكن يجب ان يشمل بقية موردي الخدمات، وبذلك يصبح التصنيف آلية لتحفيز التنافسية ورفع الجودة، ويسهم في تمكين الشركات الوطنية من لعب دور أكبر في المشاريع الكبرى، مما يعزز فعليا أهداف المحتوى المحلي.

  1. أهمية دعم ومواكبة الموردين المحليين

إن إعطاء الأولوية للمؤسسات الوطنية لا يكفي وحده، بل ينبغي مواكبة الموردين المحليين ودعمهم لرفع قدراتهم حتى يتمكنوا من المنافسة على أساس الجودة والكفاءة، فالكثير من المؤسسات الوطنية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تحتاج إلى دعم في مجالات متعددة مثل تحسين نظم الإدارة، وتبني معايير الجودة والسلامة، وتطوير الموارد البشرية، والوصول إلى التمويل، وتعزيز الشراكات مع شركات دولية لنقل الخبرة والتكنولوجيا.

إن مواكبة الموردين المحليين يزيد من قدرتهم على الالتزام بالمواصفات الفنية المطلوبة والالتزام بالآجال التعاقدية، وعندما ترتفع قدرات الموردين المحليين، فإنهم لا يكتفون بالمشاركة في المشاريع الوطنية فحسب، بل يصبحون قادرين على المنافسة في الأسواق الإقليمية، مما يفتح آفاقا أوسع للاقتصاد الوطني.

  1. نحو محتوى محلي فعال ومستدام

إن تعزيز المحتوى المحلي يتطلب تكاملا بين إصلاح التكوين، وتنظيم السوق عبر تصنيف الشركات، ودعم الموردين المحليين، وتوفير إطار مؤسسي قوي عبر الأمانة الوطنية للمحتوى المحلي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء القدرات الوطنية بشكل تدريجي ومدروس، حتى تتحول الأفضلية الوطنية من إجراء تنظيمي إلى ميزة تنافسية حقيقية.

يجب ان يكون المحتوى المحلي مشروعا وطنيا طويل المدى، يهدف إلى تحويل المورد الطبيعي إلى ثروة مستدامة، وبناء اقتصاد قوي قائم على الكفاءة والإنتاجية والعدالة في توزيع الفرص، وعندما تتكامل جهود الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات التكوين والموردين المحليين، يصبح هذا الهدف قابلا للتحقق، وتتحول الثروة الوطنية إلى رافعة حقيقية للتنمية والسيادة الاقتصادية.