في قرى فم لكليته: شكوى الغلاء والتردي المعيشي- موقع الفكر

بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يتسابق أطفال القرية لأخذ مواقعهم أمام فرن الخبز الوحيد، إنها فسحة قصيرة خارج البيوت في أصيل يوم شتوي، تتزاحم أجسامهم الهزيلة للفوز بلفحة هواء ساخن تبعث الدفء والنشاط، لكن رائحة الخبز الساخن تنعش شهيتهم المفتوحة للظفر بقضمة خبز قد تطفئ نار الجوع المتأججة، تماما كفرن الحطب الذي يقصدون كل صباح، وقبل الذهاب إلى الكتاب أو المدرسة ..

روتين يومي 
 داخل الفرن يسابق الخباز  أسليمان الزمن ليلقم التنور المتقد ما تبقى من مخبوزات تسد حاجة زبنائه من الرجال والنساء والولدان..
تمتد الأيدي لتلتقط الأرغفة الساخنة التي لا تسد الرمق مقابل دريهمات قليلة يقذف بها الخباز في جيراب قريب، لكن الأطفال ليسوا وحدهم من يبحث عن الخبز هنا فبعض النسوة من الجيران يقصدن الفرن للحصول على  جذوة من النار يوقدن بها وعليها يصطلين، فغاز الطبخ هنا ترف لا تتحمله ميزانيات الأسر المثقلة بالغلاء والديون كما تقول تسلم بنت أمبادي وهي تحمل بضع أرغفة وسمكة من الدكان المجاور كوصفة لابنها الذي يعاني من فقر الدم ولا تجد ما تعالجه به غير  مشوي السمك، أما معاناتها هي من السكري والضغط وتعاطيها أدوية مزمنة فليس ما يؤرقها هذه الأيام بل الغلاء المتفاقم وتدني قيمة الأوقية بحيث أصبح الجميع على شفا المجاعة على حد قولها.
تأثيرات عميقة 
على بعد أمتار قليلة يتجاذب صاحب الدكان أطراف الحديث مع شيخ ستيني رصاصي اللون فارع القامة حاد الملامح قدم نفسه كعسكري متقاعد تفرغ للعمل كوكيل صحي بالقرية، ليشكو معاناة المتقاعدين من التردي المعيشي والتهميش.
وعن أوضاع الساكنة قبل رمضان يقول عبد الرؤوف سالم فال إنها مزرية، ويظل مطلبهم الوحيد تخفيض الأسعار من خلال دعم كل المواد التموينية، وتفعيل الرقابة على برامج محاربة الفقر وعلى دكاكين رمضان والتي لا أثر لها في الواقع رغم المبالغ الفلكية التي تصرف عليها.

مطالب وآمال 
يطالب عبد الرؤوف السلطات الإدارية والبلدية والمنتخبين بالتدخل لفرض الرقابة على  أسعار اللحوم، كما جرى في بعض المقاطعات من خارج الولاية حيث فرضت السلطات سعرا محددا للحوم مع حلول الشهر الفضيل.
على بعد خطوات كانت إحدى النسوة تجمع بقايا الحطب المتناثرة  قرب فرن الخبز، ما يعني أنها لاتملك وسيلة لجلب الحطب أحرى أن تملك مالا لشرائه أوشراء "غاز الطبخ "، إنها حيلة لتوفير ثمن الفحم، والتكيف مع أمواج الغلاء الفاحش في السلع والخدمات  يعلق أحد الساكنة.
يوشك الخباز أسليمان أن ينهي نوبة عمل صباحي بدأت قبل الفجر بساعات لكنه يبدو غير راض عن ريع عمله بعد سنة ونصف من الغربة في قرى آفطوط فالوضع البائس للساكنة والغلاء المتفاقم في أسعار المواد الأولية يخنقه -كما يقول -في مصدر رزقه الوحيد.