الضريبة في موريتانيا: بين ضرورة التمويل والرفض الشعبي- د. مولاي ولد أب ولد أكيك

أعادت الإجراءات الضريبية الأخيرة في موريتانيا، وخاصة تلك المتعلقة بجمركة الهواتف المحمولة وفرض رسوم على بعض خدمات التحويلات المالية الرقمية، فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين الدولة ودافعي الضرائب. ويكشف هذا الجدل عن معادلة دقيقة تحكم السياسات المالية في البلاد: حاجة الدولة إلى تعبئة الموارد لتمويل التنمية من جهة، وحاجة المجتمع إلى العدالة الضريبية وإلى أثر تنموي ملموس من جهة أخرى.

من منظور المالية العامة، تعتمد موريتانيا بشكل كبير على الإيرادات الضريبية، التي تمثل نحو ٪67.83 من موارد الميزانية سنة 2025 مع توقع بلوغ ٪66.11 سنة 2026.  كما يبلغ الضغط الضريبي الرسمي نحو 16.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو قريب من المتوسط، إفريقيا. غير أن القراءة الأعمق لهذه المؤشرات تكشف واقعاً أكثر تعقيدا، فالتقديرات تشير إلى أن نحو ٪47 من النشاط الاقتصادي غير مصنف ولا يخضع فعلياً للضريبة، ما يعني أن العبء الضريبي يتركز على نحو ٪53 فقط من الاقتصاد المنظم. وعند احتساب الضغط الضريبي على هذه القاعدة الضيقة، قد يصل العبء الفعلي إلى حوالي ٪31.5، وهو ما يفسر شعور شريحة من المواطنين والفاعلين الاقتصاديين بأن الأعباء الضريبية أعلى مما تعكسه المؤشرات الرسمية.

في هذا السياق، جاءت الإجراءات الجديدة لتنظيم سوق الهواتف المحمولة وتعزيز تحصيل الرسوم الجمركية. فقد حُددت الرسوم على الهواتف الذكية بنحو ٪30، وعلى الهواتف العادية بنحو ٪12، كما تم اعتماد نظام تقني يعتمد على أرقام تعريف الأجهزة (IMEI) يسمح بربط تشغيل الهواتف على الشبكات المحلية بتسوية وضعيتها الجمركية. ويهدف هذا النظام إلى الحد من التهريب وتنظيم السوق وضمان المنافسة العادلة بين المستوردين.

فيما يبدو، يعكس هذا التوجه حرص الدولة على تعزيز تحصيل الموارد وتنظيم قطاعات اقتصادية طالما عملت خارج الإطار الرسمي. فقد كان تقدير الرسوم في السابق جزافيًا، خاصة على الهواتف المستوردة لأغراض تجارية، بينما يعتمد النظام الجديد على بيانات دقيقة لتحديد قيمة الضريبة لكل جهاز. غير أن هذا التحول يطرح مأخذًا مهمًا: فالرسوم الجديدة تطال جميع الهواتف، سواء كانت مخصصة للاستخدام الشخصي أو التجاري، مما قد يُثقل كاهل المستخدمين الأفراد ويثير تساؤلات حول مرونة السياسة الضريبية وعدالتها الاجتماعية. ويبلغ عدد مستخدمي الهواتف المحمولة نحو 4.7 ملايين شخص، فيما يعتمد أكثر من 2 مليون مستخدم للإنترنت على الهواتف الذكية للوصول إلى الشبكة، وهو ما يبرز أهمية تطبيق الرسوم بدقة لضمان تحصيل الموارد وتنظيم السوق بشكل فعّال، دون إغفال الحساسية الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذا القرار.

الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لسوق الهواتف تجعل من هذه الإجراءات أكثر حساسية من غيرها. فتجارة الهواتف أصبحت خلال السنوات الأخيرة قطاعاً اقتصادياً واسع الانتشار يوفر فرص عمل لآلاف الشباب في مجالات البيع والصيانة والبرمجة واستيراد الأجهزة. ومن ثم فإن أي زيادة في الأسعار قد تنعكس مباشرة على النشاط التجاري وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. وتشير التقديرات إلى أن تطبيق الرسوم بشكل كامل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض الهواتف بين 20٪ و40٪، وهو ما يثير مخاوف التجار والمستهلكين على حد سواء.

يرى منتقدو هذه الإجراءات أن التركيز على الضرائب غير المباشرة قد يثقل كاهل الفئات ذات الدخل المحدود، بينما لا تزال أجزاء واسعة من الاقتصاد خارج المنظومة الضريبية. كما أنه يأتي بعد فترة وجيزة من فرض رسوم تزامن ضريبية على بعض التحويلات المالية الرقمية، ما عزز المخاوف لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين من اتساع نطاق الجباية ليشمل قطاعات أخرى تمس النشاط التجاري اليومي.

في المقابل، تؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات لا تستهدف فرض ضرائب جديدة بقدر ما تهدف إلى تنظيم السوق وضمان تحصيل الرسوم القانونية التي لم تكن تطبق في كثير من الحالات بشكل فعلي. ومن منظور الإصلاح المالي، فإن توسيع قاعدة الامتثال الضريبي يعد شرطاً أساسياً لتمويل الاستثمارات العمومية في قطاعات حيوية مثل الطرق والمياه والطاقة والتعليم والصحة والبنية التحتية الرقمية.

غير أن جوهر المسألة يتجاوز مسألة الهواتف أو الرسوم الجمركية بحد ذاتها. فالتجارب الاقتصادية تظهر أن نجاح أي سياسة ضريبية لا يتوقف فقط على مبرراتها المالية أو التنظيمية، بل يرتبط بدرجة الثقة في إدارة الموارد العامة. وفي هذا السياق، يعكس جزء من الرفض الشعبي شعوراً متزايداً بأن توسيع الجباية يأتي في وقت ما تزال فيه بعض مظاهر الفساد وسوء التسيير حاضرة في نظر المواطنين، سواء في بعض مشاريع الطرق أو شبكات المياه أو في أنماط التسيير الإداري والتعيينات التي تثار حولها بين الحين والآخر شبهات وانتقادات.

لهذا السبب، فإن النقاش الضريبي في موريتانيا هو في جوهره نقاش حول العقد الضريبي بين الدولة والمجتمع. فالدولة تحتاج بلا شك إلى الموارد لتمويل التنمية والخدمات العامة، لكن هذه الموارد تكتسب مشروعيتها الكاملة حين يقترن تحصيلها بالعدالة في توزيع العبء، وبالشفافية في الإنفاق، وبظهور أثرها الملموس في حياة المواطنين.

وعندما يتحقق هذا التوازن، تتحول الضريبة من عبء مالي ثقيل إلى أداة لبناء الدولة وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.  أما إذا غابت هذه المعادلة، فإن أي توسع في الجباية، مهما كانت مبرراته الاقتصادية، سيظل عرضة للرفض الاجتماعي وسيغذي شعوراً متنامياً بعدم الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي اقتصاد يسعى إلى ترسيخ أسس نمو مستدام، تبقى هذه الثقة هي المورد الأكثر أهمية على المدى الطويل.