تحرير استيراد المحروقات: حلٌ اقتصادي أم مجازفة مكلفة؟-  د. مولاي ولد أب ولد أكيك

يكثر الحديث هذه الأيام في موريتانيا حول جدوى فتح سوق استيراد المشتقات البترولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة بفعل الارتفاع الحاد في أسعار النفط. فقد بات دعم المحروقات يُكلّف الدولة نحو 13% من ميزانية 2026، مع مخاطر حقيقية باتساع عجز الميزانية إلى حدود 7%، في ظل قفزة أسعار النفط من 75 إلى 112 دولارًا للبرميل، مع مخاطر اتساع العجز وتراجع النمو واستنزاف احتياطي العملة الصعبة ورفع كلفة الإنتاج في مختلف القطاعات.

وتزداد حدة هذا الضغط بالنظر إلى طبيعة السوق المحلية، حيث تعتمد البلاد على استيراد المشتقات لا النفط الخام، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية التي لا تعكس فقط سعر البرميل، بل أيضًا تكاليف التكرير والنقل واختلالات الطلب بين المناطق. وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين سعر الشراء وسعر البيع داخليًا، وهو ما تتحمله الخزينة العامة كدعم مباشر، ما يحول مسألة الأسعار من قضية سوق إلى عبء مالي ثقيل.

في هذا السياق، يُطرح خيار تحرير سوق استيراد المشتقات البترولية كحل يبدو، ظاهريًا، منحازًا للمستهلك بدلا من المورد (التاجر) من خلال تعزيز المنافسة. غير أن هذا الطرح يفترض أن المنافسة كفيلة بخفض الأسعار، وهو افتراض غير مضمون ولا يصمد في سوق صغيرة وهشة، حيث قد تقود المنافسة إلى تقلبات أكبر أو إعادة تشكل الاحتكار بدل تفكيكه.

فالمسألة لا تتعلق بعدد الفاعلين بقدر ما ترتبط بقدرة السوق على امتصاص الصدمات. فضعف قدرات التخزين والبنية التحتية يعني أن أي تحرير غير مضبوط قد ينقل تقلبات السوق العالمية مباشرة إلى الداخل (المستهلك). كما تُظهر التجارب أن ارتفاع الأسعار عالميًا، كما هو حاصل حاليًا، يحدّ أصلًا من هامش المنافسة السعرية، ويفرض واقعًا شبه موحد على مختلف المستوردين.

وتزداد حساسية هذا الخيار عند النظر إلى بعده الجيوسياسي. فالاعتماد على موردين إقليميين، كما يذكر البعض، مثل الجزائر التي توفر قربًا جغرافيًا ومزايا لوجستية واضحة. غير أن هذه المزايا نفسها قد تتحول إلى مصدر هشاشة إذا لم تُدار ضمن سياسة تنويع فعلي للمصادر. إذ يكفي اختلال في العلاقة الثنائية أو في ظروف الإمداد حتى يجد السوق المحلي نفسه تحت ضغط خارجي مباشر.

وتزداد حساسية هذا الخيار عند النظر إلى بعده الجيوسياسي. فالاعتماد على موردين إقليميين، مثل الجزائر (كما يذكر البعض) التي توفر قربًا جغرافيًا ومزايا لوجستية واضحة. غير أن هذه المزايا نفسها قد تتحول إلى مصدر هشاشة إذا لم تُدار ضمن سياسة تنويع فعلي للمصادر. إذ يكفي أي اضطراب في العلاقة الثنائية أو في ظروف الإمداد حتى يجد السوق المحلي نفسه تحت ضغط خارجي مباشر.

أما داخليًا، فتظل الجاهزية المحدودة عائقًا حقيقيًا. فضعف قدرات التخزين، والحاجة إلى تطوير شبكات التوزيع، إلى جانب الالتزامات التعاقدية القائمة مع Addax Petroleum، كلها عوامل تجعل من التحرير الشامل خطوة محفوفة بمخاطر تشغيلية، قد تتجلى في اختناقات في الإمداد أو اضطرابات في الأسعار بدل تحقيق الاستقرار.

في المحصلة، يبدو أن المشكلة الراهنة ليست في توفر المحروقات، بل في كلفتها. وهو ما يعني أن أي إصلاح يركز فقط على “فتح السوق” دون معالجة عناصر الكلفة والبنية لن يحقق الأثر المرجو، بل قد يفاقم هشاشة السوق.

وعليه، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية لا يتمثل في تحرير استيراد المشتقات النفطية بشكل فوري، بل في اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على بناء القدرات قبل رفع القيود، من خلال تنويع الموردين، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتطوير البنية التحتية، بما يضمن تحقيق توازن دقيق بين حماية المستهلك واستدامة المالية العامة.