صيانة المباني المدرسية: ضرورة تربوية ملحّة- الدكتور عبد الله حمدي(*)

إن الطفل الذي ينشأ في محيط مدرسة نظيفة ومنظمة (تحوى مساحات خضراء  ولو بسيطة) يكتسب تلقائيًا قيمًا مثل الانضباط، احترام المكان، والشعور بالمسؤولية.
أما الطفل الذي يفتح عينيه على مدرسة متهالكة، متسخة، غير منظمة، فسيشعر أن الإهمال أمر طبيعي وجزء من الحياة، وسترافقه هذه العادة السيئة في مسيرته الدراسية.
أين تتنزل مدارسنا من هذا التوصيف التربوي؟
تعاني بعض المدارس العمومية من نقص حاد في الحجرات الدراسية، إضافة إلى حاجة ماسّة لنظافة المرافق وصيانة المباني.
لقد بذلت الحكومة جهودًا معتبرة خلال السنوات الأخيرة في توسيع العرض المدرسي، حيث تم بناء عدد من المدارس وترميم أخرى، غير أن جولة سريعة في مختلف المناطق تكشف عن نقص ملحوظ وضعف جلي في جانب الصيانة، فالنوافذ المكسورة، والمرافق الصحية غير المرتبة، وسوء التهوية، كلها مظاهر تعكس إهمالًا يؤثر سلبًا على البيئة التعليمية.

ورغم هذا التوسع الكمي المذكور، لا تزال هناك مشاكل هيكلية تؤثر بشكل مباشر في جودة التعليم، إذ لا يمكن تحقيق تعليم جيد في فضاءات غير ملائمة أو تفتقر لأبسط شروط السلامة والراحة.

إن صيانة المباني المدرسية ليست ترفًا، بل هي ضرورة تربوية ملحّة، تساهم في تحسين ظروف التعلم، وترفع من معنويات التلاميذ والمدرسين على حد سواء. لذلك، فإن الاستثمار في الصيانة يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع التوسع في البناء، لضمان مدرسة عمومية ذات جودة.

وهنا من حقنا أن نتساءل، هل يمكن أن ننتظر الإبداع من طفل يدرس في مؤسسة أبوابها مكسرة، ومرافقها الصحية وسخة، وجدرانها مكسوة بالعبارات البذيئة، وتغيب فيها الأدوات المدرسية ووسائل الايضاح بشكل عام؟!

إن معالجة هذا التحدي المزمن تتطلب التفكير خارج الصندوق لتقديم مقاربات غير تقليدية، وهو ما يفرض تكامل الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني من جهة، وبين المنتخبين ورجال الأعمال من جهة أخرى، من أجل معالجة هذا التحدي المتزايد. وهذه مقترحات سريعة لإثارة الموضوع: 
‏I - حث المنتخبين المحليين ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني في كل ولاية على التنافس فى صيانة وبناء المدارس من أجل النهوض بالتعليم. 
‏II- تكوين هيئة وطنية لصيانة المؤسسات التعليمية، لها فروع في كل ولاية، مهمتها تفقد المدارس والتفاعل مع طلباتها بسرعة.

أولًا: التسمية المقترحة

الهيئة الوطنية لصيانة المؤسسات التعليمية 

ثانيًا: الطبيعة القانونية
1.    هيئة مستقلة إداريًا وماليًا؛
2. تخضع للرقابة (مثلاً من الرئاسة، أو من البرلمان أو محكمة الحسابات) لضمان الشفافية؛
3.    تعمل بالتنسيق مع وزارة التعليم دون أن تكون تابعة لها مباشرة.

ثالثا: نظام معلومات وطني
قاعدة بيانات تشمل:
1.    عدد الحجرات في كل مدرسة؛
2.    عدد التلاميذ؛
3. نسبة الاكتظاظ؛
4.    حالة البنية التحتية لتفادي الانهيارات المفاجئة؛
5. اتخاذ قرارات دقيقة؛
6. توجيه الموارد بشكل عادل.

رابعا: الأهداف الرئيسية
1.    ضمان صيانة مستمرة وسريعة للمؤسسات التعليمية؛
2.    تحسين بيئة التعلم (نظافة، سلامة، تجهيزات)؛
3.    تقليل البيروقراطية في معالجة الأعطال؛
4.    رفع مستوى السلامة داخل المدارس.
 
خامسا: الهيكل التنظيمي
ويتكون من الإدارة المركزية، الفروع الولائية، فرق ميدانية محلية.
1. الإدارة المركزية؛
    •    التخطيط الاستراتيجي؛
    •    وضع المعايير؛
    •    إدارة الميزانية؛
    •    نظام رقمي وطني لتتبع الأعطال.

2. الفروع الولائية
    •    فرع في كل ولاية؛
    •    فرق تدخل سريعة (كهرباء، سباكة، بناء، صيانة تجهيزات)؛
    •    مخازن تجهيزات وقطع غيار.

3. فرق ميدانية محلية
    •    موزعة حسب البلديات أو المقاطعات
    •    جاهزة للتدخل خلال 24–72 ساعة

سادسا: آلية العمل: 
وتتكون من: 
التبليغ، التقييم، التدخل، المتابعة.

1. التبليغ
    •    منصة رقمية (تطبيق + موقع)؛
    •    رقم أخضر مجاني؛
    •    تقارير دورية كل شهر من مديري المؤسسات تبين الأعطال.

2. التقييم
    •    تصنيف الأعطال حسب الأولوية:
    •    عاجل (خطر مباشر)
    •    متوسط
    •    عادي

3. التدخل
    •    فرق محلية تتحرك فورًا
    •    آجال محددة لكل نوع عطل

4. المتابعة
•    نظام تتبع رقمي
•    تقييم الأداء
•    تقارير شهرية
•    أرشفة رقمية لكل مؤسسة (تاريخ الأعطال والصيانة)

سابعا: التمويل
    •    ميزانية من الدولة
    •    إمكانية شراكة مع القطاع الخاص (تنزع مساهماتهم من ضرائبهم السنوية)
    •    دعم من منظمات دولية (في مشاريع البنية التحتية).
ثامنا: مؤشرات النجاح
    •    زمن الاستجابة
    •    عدد الأعطال المعالجة
    •    نسبة رضا المؤسسات
    •    انخفاض الأعطال المتكررة

وخلاصة القول: إن جودة مخرجات التعليم مرتبطة ارتباطاً عضويا بتحسين بيئة التعليم.. نظافة، سلامة التجهيزات... الخ.
 إن تحقيق هذه الأهداف يستلزم إنشاء مؤسسة مستقلة للصيانة في البلد بصورة مهنية، قوامها الجدية والمسؤولية لضمان الشفافية في التسيير، هذا فضلا عن المساءلة الصارمة التي هي عماد سرعة التدخل لإنجاز المهام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس مركز الضياء الكندي للدراسات العربية
كالغري- كندا