بين عام الرمادة وليل نواكشوط: حين يختل ميزان إدارة الأزمات- بابه يعقوب أربيه

حظر التجوال، في فقه الدولة، أداة استثنائية، تُستدعى حين يختل الأمن الداخلي أو يُخشى انفلات النظام العام ،  أما أن يُفرض في سياق حرب بعيدة، لا تمتد نارها إلى الداخل، فذلك يُثير شبهة الانزلاق من إدارة الخطر إلى إدارة الانطباع بالخطر.
والفرق بينهما دقيق وخطير:
فإدارة الخطر تقوم على معطيات موضوعية وتهديدات قابلة للقياس.
أما إدارة الانطباع فتقوم على تضخيم الإحساس بالخطر، بما يبرر توسيع مجال السيطرة.
وفي هذا المقام، يصبح الحظر عبئا نفسيا واجتماعيا، يحدّ من حركة الاقتصاد الليلي، ويضرب فئات واسعة تعيش على الكسب اليومي، دون أن يقابل ذلك مكسب أمني واضح المعالم.
أما رفع أسعار المحروقات تحت شعار التقشف، فإنه—في ميزان الاقتصاد السياسي—إجراء ذو حدّين:
ظاهره تعبئة عامة لمواجهة ظرف طارئ
وباطنه نقل مباشر لكلفة الأزمة إلى عموم المواطنين
وهنا يظهر موضع النقد الجوهري:
التقشف الذي لا يبدأ من قمة الهرم، ولا يمسّ بنية الامتياز، يفقد معناه الأخلاقي، ويتحول إلى جباية مقنّعة.
ذلك أن:
ارتفاع أسعار الوقود ينسحب فورا على النقل والغذاء والخدمات
فيتآكل دخل الفئات الهشة وتتسع دائرة الهشاشة في مجتمع يقوم جزء معتبر منه على الاقتصاد غير المصنّف
فلا تعود الأزمة خارجية، بل تصبح داخلية مُعمَّمة، تنخر في أساس الاستقرار الاجتماعي.
الدولة، في أوقات الشدة، لا تُقاس فقط بقراراتها، بل بـ”صورتها الأخلاقية“ في أعين مواطنيها.
فإذا لم ير الناس:
تقشفا في نفقات الدولة نفسها أو مساهمة فعلية من النخب في تحمّل الكلفة
فإن الدعوة إلى التقشف تتحول إلى خطاب أجوف، وتُستقبل بنوع من السخط الصامت، الذي لا يلبث أن يتحول إلى تآكل في الثقة.
وليس الغرض من هذا النقد إنكار الحاجة إلى الحزم، بل إعادة تعريفه.
فالحزم، في معناه الأرقى، ليس تشديدا في القيود، بل عدل في التوزيع، وقدوة في التضحية، وبصيرة في التقدير.
وقد ذكر التاريخ نموذجا بالغ الدلالة في إدارة الأزمات، تجلى في سلوك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة ، ففي السنة الثامنة عشر للهجرة النبوية ، أصاب الناس بأرض الحجاز جدب وقحط وجوع شديد حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس ، وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد ، فسمي ذلك العام عام الرمادة ، وترك ذلك أثره على أمير المؤننيين عمر رضي الله عنه بينا حتى قال مولاه أسلم: "لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هما بأمر المسلمين"
لكن الفاروق لم يستسلم لحزنه - معاذ الله - وقام بسياسات يمكن أن تدرس الآن في فن إدارة الأزمات :
أخذ الفاروق بالأسباب القطعية والظنية فبدأ بالدعاء والاستسقاء وقيام الليل .
ثم اتخذ الاجراءات التالية :
أولا : على المستوى الشخصي والعائلي
بدأ عمر رضي الله عنه بنفسه وأهله فحلف عمر ألا يذوق لحما  ولا سمنا حتى يحيا الناس! ولقد أجمع الرواة جميعا :  أنّ عمر كان صارما في الوفاء بهذا القسم ،  بل إن الصرامة التي فرضها على نفسه شمل بها أهل بيته أيضا .
ثانيا : على المستوى الشرعي و الاجتماعي
أوقف الخليفة عمر حد السرقة في عام الرَّمادة، وهذا ليس تعطيلا لهذا الحد كما يكتب البعض، بل لأنَّ شروط تنفيذ الحدِّ لم تكن متوافرةً، فأوقف تنفيذ حدِّ السَّرقة لهذا السَّبب، فالذي يأكل ما يكون ملكاً لغيره بسبب شدَّة الجوع، وعجزه عن الحصول على الطَّعام يكون غير مختارٍ، فلا يقصد السَّرقة، ولهذا لم يقطع عمر يد الرَّقيق الَّذين أخذوا ناقة ،  وذبحوها، وأمر سيدهم حاطب بدفع ثمن الناقة .
كما أوقف عمر رضي الله عنه إِلزام الناس بالزَّكاة في عام الرمادة، ولما انتهت المجاعة، وخصبت الأرض جمع الزكاة عن عام الرمادة، أي اعتبرها ديناً على القادرين حتّى يسد العجز لدى الأفراد المحتاجين، وليبقي في بيت المال رصيداً بعد أن أنفقه كلَّه .
ثالثا : على المستوى الأمني
منع الخليفة الفاروق رضي الله عنه الاحتكار: فقد حاول بعض التجار استغلال هذا الظرف الطارئ من أجل التربح على حساب إخوانهم من المسلمين، فتصدى عمر رضي الله عنه لذلك ، وقال: "لا حكرة في سوقنا" .
رابعا: على المستوى التدبيري الاقتصادي
فقـد أنشأ دارا لتخزين الدقيق والسويق والتمر والزبيب، وما يحتاج إليه من طعام يمكن تخزينه إعانة للمنقطع وابن السبيل .
خامسا: على المستوى السياسي
- فقد شكل الخليفة عمر خلية للأزمة من خيرة أهل المدينة فلا مجال للقرار الفردي وقت الأزمات .
ولهذا فإنه بقراءة خلدونية للحالة الموريتانية، حيث تزامنت حرب بعيدة في جغرافيتها—كالحرب على إيران—مع جملة من الإجراءات الداخلية، من حظر تجوال السيارات بعد منتصف الليل، ورفع أسعار الغاز والبنزين والمازوت، والدعوة إلى التقشف، يلوح للناظر المتأمل خلل في تقدير النسبة بين السبب والأثر