لم تعد أزمة الطاقة في موريتانيا مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، بل تحولت إلى ضغط مباشر على الاقتصاد الوطني، كاشفةً هشاشة الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، ومُلزِمةً الدولةَ معادلةً دقيقة بين حماية القدرة الشرائية والحفاظ على التوازنات المالية. فكل ارتفاع خارجي في أسعار الطاقة ينعكس سريعًا على كلفة الوقود والنقل، ومن ثم على أسعار المواد الأساسية، مما يجعل آثار الأزمة شاملة وممتدة في مختلف مناحي الحياة اليومية.
وفي مواجهة هذه الصدمة، لم يعد النقاش، اليوم، مقتصرًا على حجم الزيادة في الأسعار، بل أصبح يدور حول سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن توزيع كلفة هذه الأزمة؟ هل تواصل الدولة تحمّل العبء عبر دعم مُكلف يثقل كاهل الميزانية؟ أم يُنقل مباشرة إلى المواطن؟ أم يتم تقاسمه بين الطرفين وفق مقاربة متوازنة؟
في هذا السياق، تبدو الحكومة وقد تبنّت خيار تقاسم الكلفة، حيث أقرت زيادات في أسعار المحروقات، شملت الديزل بنسبة 10٪ (من 512 إلى 563.5 أوقية للتر)، والبنزين بنحو 15.5٪ (من 511.2 إلى 589.7 أوقية للتر)، إضافة إلى رفع سعر الغاز المنزلي بنسبة 66٪، إذ ارتفع سعر قنينة (B12) من 3000 إلى 5000 أوقية.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، أعلنت الحكومة حزمة من التدابير الاجتماعية والاقتصادية الموجهة للتخفيف من انعكاسات هذه الزيادات، من بينها رفع الحد الأدنى للأجور بمقدار 5000 أوقية، وتقديم دعم مالي للموظفين المدنيين والعسكريين بقيمة 45,000 أوقية قديمة، سيستفيد منه نحو 50 ألف موظف، إلى جانب تخصيص إعانة مالية قدرها 30,000 أوقية قديمة ل 124 ألف أسرة مسجلة في السجل الاجتماعي. كما شملت الإجراءات تدابير أخرى ذات طابع تقشفي تهدف إلى ترشيد استهلاك الطاقة وتعزيز كفاءة استخدامها.
هذا التوجه، الذي يجمع بين تقليص الدعم وتوجيهه بشكل أكثر استهدافًا، يسعى إلى تخفيف الضغط على الميزانية العامة، مع الحفاظ على حد أدنى من الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، وإشراك مختلف الفاعلين في تحمل كلفة الظرف الاقتصادي الصعب.
ورغم أن هذه الأزمة ذات طابع عالمي وقد طالت معظم دول العالم، إلا أن خصوصية الوضع الاقتصادي في موريتانيا، وما يتسم به من هشاشة في البنية الإنتاجية وضعف في القدرة الشرائية، تجعل من آثارها أكثر حدة، وتستدعي استجابات أكثر دقة وتوازنًا تراعي البعد الاجتماعي إلى جانب الضرورات المالية.
ما كشفته هذه الأزمة يتجاوز ظرفيتها الآنية، إذ وضعتنا مجددًا أمام حقيقة بنيوية طالما جرى تأجيلها: اقتصاد يعتمد على الاستيراد أكثر مما يُنتج، وعلى الاستهلاك أكثر مما يستثمر، وعلى ردّ الفعل أكثر مما يخطط. وهو ما يجعل كل صدمة خارجية، مهما كانت محدودة، تتحول داخليًا إلى أزمة شاملة تمس مختلف أوجه الحياة.
فإلى متى سيظل اقتصادنا هشًّا إلى هذا الحد؟ وإلى متى سنبقى رهائن لتقلبات الخارج، ندفع كلفتها من استقرارنا الاجتماعي وأمننا الغذائي وقدرتنا الشرائية؟ إن مكمن الخلل لم يعد خافيًا، كما أن الاستمرار في التعاطي معه بمنطق المعالجة الظرفية لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار.
إن اللحظة اليوم ليست لحظة تدبير ظرفي، بل لحظة مواجهة صريحة: إما كسر حلقة الهشاشة عبر إصلاحات جذرية تعيد ترتيب الأولويات، وتبني اقتصادًا منتجًا، متنوعًا، وشفافًا، أو الاستمرار في نفس المسار الذي يجعل أمننا الاقتصادي والاجتماعي رهينة لكل تغير خارج الحدود.













