نحو اقتصاد وطني منتج.. حين تتحول الأزمة إلى فرصة- سيدي اعل

في زمن الأزمات الدولية المتلاحقة، لم يعد الاعتماد على الخارج خيارًا آمنًا كما كان في السابق. فاضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، كشف هشاشة الاقتصادات التي تكتفي بالاستهلاك وتفتقر إلى الإنتاج. وفي خضم هذه التحولات، تبرز أمام موريتانيا فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، وبناء نموذج تنموي قائم على استغلال مواردها المحلية وخلق قيمة مضافة حقيقية.

إن موريتانيا ليست بلدًا فقيرًا في موارده، بل هي غنية بثرواتها الزراعية والحيوانية والبحرية، لكنها ظلت لفترة طويلة تُصدر هذه الموارد في شكلها الخام، لتعود إليها في صورة منتجات مصنعة بأسعار مضاعفة. وهنا تكمن المفارقة، وهنا أيضًا تكمن نقطة البداية لأي إصلاح اقتصادي جاد.

أولى هذه الفرص تتجلى في استغلال الأراضي الزراعية الخصبة في منطقة شمامة، الممتدة على ضفة نهر السنغال، حيث يمكن إطلاق مشروع وطني واسع لاستصلاح الأراضي وزراعة الحبوب والخضروات والأعلاف. مثل هذا المشروع لا يحقق فقط الأمن الغذائي، بل يفتح الباب أمام تشغيل آلاف الشباب، ويقلل من فاتورة الاستيراد التي تثقل كاهل الاقتصاد الوطني. ويمكن أن تضطلع مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، بدور محوري في المرحلة التأسيسية من حيث تهيئة البنية التحتية، قبل أن يُسلم لاحقًا لتعاونيات مدنية تضمن الاستدامة.

أما الثروة الحيوانية، التي تُعد من أهم ركائز الاقتصاد المحلي، فلا تزال هي الأخرى دون استغلال أمثل. فبدل بيع الحليب خامًا، يمكن إنشاء وحدات بسيطة لتحويله إلى مشتقات ذات قيمة أعلى كاللبن والجبن. وبدل تصدير الجلود في حالتها الأولية، يمكن تطوير صناعات محلية للدباغة وإنتاج الأحذية والمنتجات الجلدية. وحتى مخلفات الحيوانات، التي تُهدر في الغالب، يمكن تحويلها إلى مصدر للطاقة عبر الغاز الحيوي، أو إلى سماد عضوي يدعم النشاط الزراعي.

وفي مجال الصيد البحري، الذي يُعد من أكبر ثروات البلاد، ما تزال القيمة المضافة ضعيفة مقارنة بالإمكانات المتاحة. فمدن مثل نواذيبو ونواكشوط يمكن أن تتحول إلى مراكز صناعية حقيقية عبر إنشاء وحدات لتجفيف وتعليب وتجميد الأسماك، إضافة إلى إنتاج مشتقاتها كزيت السمك ومسحوقه. مثل هذه المشاريع لا تعزز فقط العائدات، بل تخلق شبكة واسعة من فرص العمل في مجالات النقل والتخزين والتسويق.

ولا يمكن الحديث عن الإنتاج دون التطرق إلى الطاقة، التي تمثل عصب أي نشاط اقتصادي. وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الطاقة الشمسية، التي تتوفر بكثرة في موريتانيا، لتشغيل الورش والمزارع والمشاريع الصغيرة، إلى جانب تطوير وحدات الغاز الحيوي في المناطق الريفية. هذا التوجه لا يقلل فقط من تكاليف الإنتاج، بل يعزز أيضًا الاستقلالية الطاقوية.

إن جوهر هذا التوجه الاقتصادي يقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: تحويل ما نملكه إلى ما نحتاجه. أي الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة، إلى اقتصاد منتج يخلق القيمة داخل حدوده. وهذا التحول لا يتطلب بالضرورة استثمارات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة، وإرادة سياسية، وتنظيم فعال يعتمد على إشراك الشباب والتعاونيات والقطاع الخاص.

في ظل الأزمة الدولية الراهنة، لم يعد السؤال: هل يمكننا القيام بذلك؟ بل أصبح: هل يمكننا الاستمرار دون القيام به؟ إن بناء اقتصاد وطني منتج لم يعد خيارًا ترفيًا، بل ضرورة ملحة تفرضها التحولات العالمية. وموريتانيا، بما تملكه من موارد وإمكانات، قادرة على أن تجعل من هذه الأزمة نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقلالًا واستقرارًا.