
تشهد بوركينا فاسو منذ عام 2023 واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخها الحديث، مع استمرار تصاعد أعمال العنف بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة المتطرفة، في ظل عجز واضح عن احتواء الأزمة الأمنية التي تضرب عدة مناطق من البلاد.
وكشف تقرير جديد صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش أن حصيلة الضحايا المدنيين تجاوزت 1800 قتيل خلال الفترة الممتدة من يناير 2023 إلى أغسطس 2025، في أحداث وُصفت بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بحسب تقييم المنظمة.
ووفقًا للتقرير، فإن أطراف النزاع الرئيسية—الجيش البوركيني، ومجموعات “متطوعي الدفاع عن الوطن” التي تعمل إلى جانبه، إضافة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل—مسؤولة بشكل مباشر عن موجة واسعة من الانتهاكات التي طالت المدنيين في 11 منطقة داخل البلاد.
وأشار التقرير إلى أن القوات الحكومية ومجموعاتها المساندة تتحمل المسؤولية عن مقتل ما لا يقل عن 1250 مدنيًا، من بينهم 193 طفلًا، خلال الفترة الممتدة بين يناير 2023 وأبريل 2025، بينما نُسب إلى الجماعات المسلحة مقتل نحو 582 مدنيًا، بينهم أطفال أيضًا، خلال الفترة نفسها تقريبًا.
وتأتي هذه التطورات في سياق أمني شديد التعقيد تعيشه البلاد منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في سبتمبر 2022، والذي أوصل الكابتن إبراهيم تراوري إلى السلطة، وسط وعود بإعادة الاستقرار ومحاربة الجماعات المتشددة. إلا أن الواقع الأمني، بحسب مراقبين ومنظمات حقوقية، اتجه نحو مزيد من التدهور بدل التحسن.
ويعتمد الجيش البوركيني بشكل متزايد على مجموعات من المدنيين المسلحين تعرف باسم “متطوعي الدفاع عن الوطن”، وهي قوات شبه عسكرية تم إنشاؤها لدعم العمليات ضد الجماعات المتشددة. غير أن تقارير حقوقية عدة أشارت إلى أن هذه المجموعات، في بعض الحالات، أصبحت طرفًا في انتهاكات طالت المدنيين، ما زاد من تعقيد المشهد الأمني.
كما لفت التقرير إلى أن الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة في الساحل تواصل بدورها شن هجمات دامية ضد القرى والمدن، وغالبًا ما تستهدف مدنيين تتهمهم بالتعاون مع الجيش أو رفض الخضوع لسلطتها، ما يؤدي إلى عمليات قتل جماعي ونزوح واسع للسكان.
**أوضاعًا إنسانية متدهورة
من بين أكثر الحوادث دموية التي وثقها التقرير، هجوم وقع في ديسمبر 2023 في مناطق شمالية قرب مدينة جيبو، وأسفر عن مقتل أكثر من 400 مدني في سلسلة هجمات متزامنة استهدفت عدة قرى. كما أشار إلى هجوم آخر في أغسطس 2024 في مدينة بارسالوجو، حيث قُتل ما لا يقل عن 130 مدنيًا، بينهم عدد كبير من الأطفال، في واقعة أثارت صدمة واسعة.
وأكدت هيومن رايتس ووتش أنها اعتمدت في إعداد تقريرها على مقابلات مع أكثر من 450 شخصًا داخل بوركينا فاسو وفي دول مجاورة، إضافة إلى مصادر مفتوحة وشهادات ميدانية، بهدف توثيق الانتهاكات في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة بسبب الوضع الأمني.
ودعت المنظمة إلى ضرورة فتح تحقيقات دولية مستقلة في الانتهاكات المرتكبة، ومحاسبة المسؤولين عنها من جميع الأطراف دون استثناء، سواء كانوا من القيادات العسكرية أو من قادة الجماعات المسلحة، مؤكدة أن الإفلات من العقاب ساهم في استمرار دوامة العنف.
وفي ظل استمرار هذه الأزمة، يواجه المدنيون في بوركينا فاسو أوضاعًا إنسانية متدهورة، مع ارتفاع أعداد النازحين ونقص الخدمات الأساسية في مناطق واسعة، ما يزيد من المخاوف من تحول الأزمة إلى كارثة إنسانية طويلة الأمد إذا لم يتم التوصل إلى حلول سياسية وأمنية فعالة.
رابط المقال :
https://www.lemonde.fr/afrique/article/2026/04/02/au-burkina-faso-plus-d...













