في بوركينا فاسو ومالي: القوات الحكومية تقتل مدنيين أكثر من الجماعات الجهادية

افاد تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش نُشر يوم مؤخرا أن حكومة بوركينا فاسو والقوات المتحالفة معها تسببت منذ عام 2023 في مقتل عدد من المدنيين يفوق بكثير ما تسببت به الجماعات المسلحة الجهادية.

وتشير بيانات جمعتها منظمة “أكليد” المتخصصة في تتبع النزاعات المسلحة، ونقلتها وكالة رويترز، إلى أن هذا النمط يتكرر أيضاً في مالي المجاورة.

ففي كل من مالي وبوركينا فاسو، وهما دولتان تحكمهما أنظمة عسكرية وصلت إلى السلطة عبر انقلابات، تُظهر الأرقام أن القوات الحكومية وحلفاءها مسؤولون عن قتل مدنيين يفوق بثلاثة إلى أربعة أضعاف ما تسببت به الجماعات الجهادية خلال العامين الماضيين.

تصاعد العنف في منطقة الساحل 

تشهد بوركينا فاسو ومالي والنيجر منذ عام 2021 تصاعداً كبيراً في أعمال العنف التي تنفذها جماعات جهادية مسلحة، ما جعل منطقة الساحل من أخطر بؤر الإرهاب في العالم.

لكن التقرير يشير إلى أن مقتل المدنيين على يد القوات الحكومية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمنح الجماعات المسلحة مبرراً سياسياً ويساعدها على التجنيد واستقطاب عناصر جديدة.

كما أن هذا الوضع قد يعقّد جهود الولايات المتحدة لتحسين علاقاتها مع الأنظمة العسكرية في المنطقة، والتي طردت القوات الغربية، خصوصاً الفرنسية، بعد وصولها إلى الحكم.

وتقول الباحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش إيلاريا أليغروتسي إن قوات الأمن في بوركينا فاسو وحلفاءها “تبدو أكثر قسوة وعنفاً” حتى من جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.

وقد رفضت حكومتا بوركينا فاسو ومالي هذه الاتهامات مراراً، مؤكدة أن عملياتها تستهدف “الإرهابيين” فقط، دون إصدار تعليق رسمي على التقرير.

تقارير عن مقتل آلاف المدنيين

وفق تقرير يغطي الفترة بين يناير 2023 وأغسطس 2025، وثّقت هيومن رايتس ووتش 57 حادثة في بوركينا فاسو أسفرت عن مقتل 1837 مدنياً، من بينهم 1255 قُتلوا على يد القوات الحكومية وحلفائها.

وخلال عام 2025 فقط، تشير بيانات “أكليد” إلى أن الجيش البوركينابي وحلفاءه تسببوا في مقتل 523 مدنياً، مقابل 339 قتيلاً على يد الجماعات الجهادية.

أما في مالي، فقد قُتل 918 مدنياً خلال عام 2025 على يد الجيش المالي وقوات روسية متحالفة معه (فاغنر وأفريقيا كوربس)، بينما قتلت الجماعات الجهادية 232 مدنياً في الفترة نفسها.

ولم تصدر ردود رسمية فورية من الحكومات أو الجماعات المسلحة أو الجانب الروسي.

وتعتمد “أكليد” على مصادر متعددة مثل وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وتقارير الحكومات والمنظمات الحقوقية، مع التأكيد أن أرقامها تقديرية وليست نهائية.

شهادات من الميدان

ينقل التقرير شهادة أحد سكان شرق بوركينا فاسو تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام.

ويقول إنه كان ضمن قافلة مدنية تحت حماية عسكرية في يوليو 2024، وشاهد قرى مهجورة بالكامل قبل الوصول إلى قرية قريبة من مدينة كانتشاري.

وأضاف أن القوات العسكرية عند دخول إحدى القرى حاصرت المكان ثم قامت بقتل كل من كان فيه، مشيراً إلى أن المدنيين حاولوا الهرب لكنهم تعرضوا لإطلاق النار.

ويؤكد أنه شاهد ما لا يقل عن 100 جثة في ذلك اليوم.

استخدام متزايد للطائرات المسيّرة في مالي

في مالي، تشير البيانات إلى أن عدداً كبيراً من عمليات قتل المدنيين تم عبر ضربات بطائرات مسيّرة، خاصة بعد حصول الحكومة على طائرات تركية عام 2022.

وارتفع عدد حوادث الطائرات المسيّرة من أربع حوادث في عام 2022 إلى 66 حادثة في عام 2025، أسفرت عن 155 قتيلاً.

ومن أبرز هذه الحوادث غارة في يوليو 2024 استهدفت موقعاً لتعدين الذهب شمال البلاد، وأدت إلى مقتل ما لا يقل عن 50 مدنياً، وسط حالة من الذعر والفوضى الشديدة.

عنف من جميع الأطراف

كما وثّقت المنظمتان انتهاكات ارتكبتها جماعات جهادية، من بينها مقتل 133 شخصاً في منطقة بارسالاغو ببوركينا فاسو في أغسطس 2024، و19 مدنياً في منطقة ديالاساغو بمالي في مايو 2024.

ورغم ذلك، تمكنت هذه الجماعات من تقديم نفسها في بعض المناطق كمدافع عن بعض المجتمعات المهمشة، خصوصاً شعب الفولاني المنتشر في غرب إفريقيا.

لكن محللين يحذرون من أن سياسات القمع والعقوبات الجماعية التي تنتهجها بعض الدول تدفع المدنيين إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجماعات الجهادية، حيث تعزز هذه الجماعات نفوذها عبر القوة وأحياناً عبر كسب ولاء السكان.

ويؤكد خبراء أن استمرار هذا الوضع قد يزيد من تعقيد الأزمة بدل حلها.

رابط المقال:

https://www.boursier.com/actualites/reuters/au-burkina-faso-et-au-mali-l...