
انتجت موريتانيا أكثر من 25 طناً من الذهب في عام 2025، شاملاً الإنتاج الصناعي والتعدين الحرفي وشبه الصناعي. غير أن هذه الكمية، رغم أهميتها، تعكس واقعاً بنيوياً شديد التركّز، حيث يظل منجم **تازيازت** اللاعب المهيمن في القطاع، إذ يساهم وحده بنحو 77.09% من الإنتاج الوطني، في حين لا تتجاوز مساهمة منجم گلب مغرين 3.24%، وهو إنتاج ثانوي مرتبط أساساً بالنحاس.
هذا الاعتماد الكبير على منجم واحد يجعل قطاع الذهب الموريتاني حساساً لأي تغيّر في أداء هذا الموقع، ويؤكد محدودية التنويع في قاعدة الإنتاج رغم الإمكانات الجيولوجية الكبيرة التي تزخر بها البلاد.
تراجع إنتاج تازيازت وتحول في دينامية القطاع
دخل منجم تازيازت مرحلة تحول لافتة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ إنتاجه 622,394 أونصة في العام 2024، قبل أن يسجل انخفاضاً بنسبة 23% في عام 2025، نتيجة الانتقال التدريجي إلى معالجة خامات أقل تركيزاً بالذهب، وهو ما يُعرف بتراجع “جودة الخام” داخل المنجم.
ولم يقتصر الأثر على الإنتاج فقط، بل امتد إلى المبيعات التي تراجعت بنحو 20% خلال عام 2025، رغم استمرار ارتفاع أسعار الذهب عالمياً. ويعكس هذا التناقض بين الأسعار العالمية وأداء الإنتاج المحلي هشاشة الاعتماد على منجم واحد في دعم قطاع كامل.
وبحسب التوقعات الحالية، من المرجح أن يستقر إنتاج المنجم عند حدود 500,000 أونصة في عام 2026، دون إمكانية العودة إلى مستويات تفوق 600,000 أونصة قبل عام 2028، ما يعني أن مرحلة النمو السريع للمنجم قد تكون انتهت لصالح مرحلة استقرار أو تباطؤ نسبي.
إمكانيات جيولوجية واسعة
رغم هذا التراجع النسبي في أداء أكبر منجم في البلاد، تشير المعطيات الرسمية إلى أن موريتانيا تمتلك إمكانات ذهبية ضخمة تتجاوز 25 مليون أونصة، أي ما يعادل أكثر من 777 طناً، وهي كميات غير مستغلة بشكل كامل بعد، ما يجعل القطاع مرشحاً لجذب استثمارات إضافية خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تأتي خطوة منح الحكومة الموريتانية تراخيص جديدة لشركات أجنبية ضمن استراتيجية أوسع لتنويع الفاعلين في القطاع. ومن أبرز هذه التطورات حصول شركة مونتاج غولد على خمسة تراخيص استكشافية تغطي أكثر من 2.103 كلم مربع في شمال البلاد، في إطار مناقصة تنافسية تهدف إلى فتح المجال أمام استثمارات جديدة.
وتتوزع هذه التراخيص بين مناطق جيولوجية واعدة، أبرزها منطقة القص سْفاريات التي ترتبط بنظام جيولوجي معروف بوجود الذهب، إضافة إلى منطقة زدنِس التي تُصنف ضمن البيئات الملائمة لتكوّن رواسب الذهب من نوع الأوروجينيك. وتحتفظ الشركة بنسبة 100% من بعض التراخيص، بينما دخلت في شراكة مع شركة موريتانية محلية تُدعى سوسيكس في تراخيص أخرى، في نموذج يجمع بين الاستثمار الأجنبي والشراكات المحلية.
استثمارات استكشافية طويلة الأمد
تعكس هذه المشاريع طبيعة قطاع التعدين الذي يعتمد على المدى الطويل، إذ تلتزم الشركات عادة بتمويل عمليات الاستكشاف لسنوات قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. وفي حالة مونتاج غولد، تم تخصيص ميزانية أولية تبلغ 2 مليون دولار لعام 2026، تشمل أعمال الخرائط الجيولوجية والدراسات الجيوفيزيائية وأخذ عينات التربة، إضافة إلى خطة لحفر نحو 15 ألف متر في نهاية العام.
لكن رغم هذه الجهود، يبقى الطريق طويلاً قبل الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج التجاري، إذ قد تستغرق هذه العملية سنوات عديدة، وقد تتجاوز في بعض الحالات عقداً كاملاً، حسب نتائج الدراسات الجيولوجية وجدوى الاستخراج.
التعدين الحرفي بين الدعم والقيود
في موازاة النشاط الصناعي، يظل التعدين الحرفي والصغير الحجم جزءاً مهماً من إنتاج الذهب في موريتانيا. فقد وفر هذا القطاع نحو 14.7 طناً من الذهب بين عامي 2020 وأغسطس 2024، مدعوماً بجهود وكالة معادن موريتانيا التي أُنشئت لتنظيم النشاط وتحويله إلى قطاع رسمي أكثر شفافية.
ورغم هذه الجهود، تشير تقارير دولية إلى استمرار تحديات كبيرة مرتبطة بالتهريب وضعف الرقابة، حيث قد تكون كميات تصل إلى نحو 30 طناً قد خرجت من البلاد بشكل غير قانوني بين 2016 و2022، أي منذ بداية طفرة التنقيب الأهلي، وفق تقديرات منظمة سويس إيد.
قطاع بين التركّز وإعادة الهيكلة
في المحصلة، يقف قطاع الذهب في موريتانيا عند مرحلة مفصلية. فمن جهة، يهيمن منجم واحد على الجزء الأكبر من الإنتاج، ما يخلق هشاشة هيكلية واضحة. ومن جهة أخرى، توجد إمكانات جيولوجية كبيرة واستثمارات استكشافية جديدة قد تعيد رسم خريطة القطاع على المدى البعيد.
وبين هذين الاتجاهين—هيمنة الحاضر وتطلعات المستقبل—تسعى موريتانيا إلى إعادة التوازن لقطاع يعد من أهم ركائز اقتصادها المعدني، لكن تحقيق هذا الهدف سيظل رهناً بسنوات من الاستكشاف والاستثمار والتطوير التدريجي.
رابط المقال:
https://www.agenceecofin.com/actualites/1504-137577-or-dependante-de-la-...












