الصحافة صامدة- عبد الفتاح ولد اعبيدن

يقر الدستور حرية الصحافة و ذلك منذ مطلع التسعينات،و يصعب القضاء على هذه الحرية المؤسسة دستوريا و التى تعود عليها الموريتانيون منذ عقود،رغم سجن صحفيين منذ مطلع المأمورية الثانية للرئيس غزوانى و استمرار الاستدعاءات من حين لآخر،و قد تكون الحصيلة اتهام النظام القائم بالتضييق على الحريات،دون أن يتمكن من منعها،حيث يلزم الدستور استمرار هذه الحرية و يمارس المئات من الصحفيين حقهم الأصيل العميق فى هذه الحرية.

و هذا طبيعي أن تمر الدول أحيانا بأنظمة تضايق بعض المكاسب الدستورية و بوجه أخص فى مجال الحريات،لكن تمسك أصحاب الحق بحقهم و طبيعة المجتمع، الذى تعود نتيجة هذه المهنة،ستكرس مع الوقت المعنى المهني القانوني لوظيفة الصحفي،فهو فى القانون الموريتاني:" الشخص المخول بالحصول على الخبر ومعالجته دون ضغوط أو مخاطر".

نظامنا بحكم الدستور يفترض أن يكون نظاما ديمقراطيا و ليس "نظاما بوليسيا"،فتلك مرحلة يفترض أنا تجاوزناها،منذ ترسيم دستور عشرين يوليو سنة 1991،و ينبغى أن تدرك كل الجهات المعنية أن الصحافة سلطة رابعة ،إن لم تكن تجاوزت هذه الدرجة،بحكم عمق تأثير "السوشل ميديا" و غيره من المنابر الإعلامية شديدة التأثير فى المشهد العام.

ما قبل دستور 1991 كانت الصحافة أحادية المنحى و لا يسمح رسميا بظهور صحافة متحررة،و اليوم يختلف الواقع،فمهما كانت معوقات و نواقص الصحافة الحرة المستقلة،إلا أن المرحلة مرحلتها و العوامل القانونية و المجتمعية و طبيعة العولمة و إكراهاتها ستفرض المزيد من الحريات،بما فى ذلك تطور و تصاعد الحريات الإعلامية،و من يسعى للتضييق على الصحافة و الصحفيين كمن يريد الوقوف فى وجه التيار الجارف،فطبعا سيتجاوزه التيار و ربما يتضرر.

سجن الصحفيين و مطالبتهم بالاعتذار إثر بعض المنشورات و إقالتهم من وظائفهم،كلها ممارسات حدثت بصورة متكررة، منذ نهاية سنة 2024 و انطلاق المأمورية الثانية للرئيس الحالي،غير أن الأجهزة الرسمية الحاكمة،المدنية و الأمنية،غير متوافقة على التضييق على المهنة الصحفية،و لا أستبعد التوقف عن هذه المضايقات و استمرار رسوخ الحريات الإعلامية،لكن الصحفيين فى موريتانيا بحاجة لوعي مخاطر المرحلة و ضرورة ممارسة المهنة بتضحية و تصميم بعيدا عن الصراع السلبي،فالصحافة ليست جريمة باختصار.

و من مصلحة الصحافة عدم التخندق،بأن يقال مثلا صحافة موالية أو صحافة معارضة،و إنما مصلحة الوطن و المواطن أن تكون الصحافة حرة و مستقلة و مهنية.

فإن وجدت إيجابيات فى التسيير الحكومي، تثمنها و تدعو لتعميقها و تحصينها،و إن كانت ثمة سلبيات و عثرات، فتدعو لمعالجتها و تجنبها و تجاوزها.