
تشهد موريتانيا تحولًا اقتصاديًا لافتًا يضعها على أعتاب مرحلة جديدة، حيث لم تعد تعتمد فقط على مواردها الطبيعية التقليدية، بل تتجه بقوة نحو الاقتصاد الرقمي كركيزة أساسية للتنمية. ويأتي هذا التحول في إطار رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، مع جعل التعليم العالي في صدارة هذا التوجه.
ويبرز التعليم العالي كعنصر حاسم في دعم هذا التحول، إذ تراهن الدولة على تطوير رأس المال البشري باعتباره الأساس لتحقيق السيادة التكنولوجية وتعزيز النمو الاقتصادي. وقد أسهمت هذه السياسة في تحقيق نتائج ملموسة، حيث يُقدَّر حجم القطاع الرقمي بنحو 400 مليون دولار، ويوفر حوالي 15 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، في وقت يشهد فيه قطاع الشركات الناشئة نموًا متسارعًا مع ظهور أكثر من 100 شركة مبتكرة في مجالات متعددة مثل التكنولوجيا المالية والتعليم الإلكتروني والتجارة الرقمية.
كما امتد أثر الرقمنة إلى القطاعات التقليدية، خاصة القطاع المصرفي الذي يشهد تحديثًا متسارعًا بفضل حلول الدفع عبر الهاتف المحمول، ما ساهم في توسيع نطاق الخدمات المالية لتشمل شرائح أكبر من السكان.
نقلة نوعية
في قلب هذا التحول، يبرز المعهد العالي للرقمنة (SupNum)، الذي أُسس عام 2021، كمحرك رئيسي لتطوير التعليم التكنولوجي في البلاد. وقد أحدث المعهد نقلة نوعية من خلال تقديم برامج تعليمية تطبيقية متقدمة، مع التركيز على تعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال. ولم يعد دور المؤسسة يقتصر على تخريج موظفين، بل باتت تُسهم في إعداد رواد أعمال قادرين على خلق فرص اقتصادية جديدة، حيث نجح عدد من طلابها في إطلاق مشاريعهم الخاصة.
ولتعزيز هذا التوجه، تم تجهيز المعهد ببنية تحتية متطورة تشمل مختبرات متخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء والروبوتات. كما يحتضن مختبرًا متقدمًا للبيانات والذكاء الاصطناعي يُعد الأول من نوعه في البلاد، ما يتيح تنفيذ أبحاث تطبيقية تسهم في معالجة تحديات اقتصادية واجتماعية، من بينها مشاريع لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي.
قدرة الكفاءات الموريتانية
على الصعيد الدولي، نجح المعهد في بناء شراكات مع مؤسسات أكاديمية ومنظمات دولية مرموقة، إلى جانب تحقيق إنجازات بارزة في مسابقات عالمية، ما يعكس قدرة الكفاءات الموريتانية على المنافسة دوليًا.
وفي خطوة تعزز هذا المسار، صادقت الحكومة الموريتانية مؤخرًا على إصلاحات جديدة تخص المعهد، تهدف إلى دعم البحث العلمي وإطلاق برامج دكتوراه، إلى جانب توسيع التكوين الأكاديمي بإدخال تخصصات جديدة، خاصة في مجالي الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
ويرى مراقبون أن هذه الجهود تعكس توجهًا واضحًا نحو بناء اقتصاد رقمي متكامل، حيث تسعى موريتانيا إلى ترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في التحول الرقمي على مستوى غرب إفريقيا، من خلال الاستثمار في التعليم والابتكار، بما يمهد لتحقيق تنمية مستدامة وتعزيز مكانتها الاقتصادية في المستقبل.
رابط المقال:
https://marcopolis.net/mauritanie-laube-dune-nouvelle-ere-economique-pro...












