
تشهد منطقة الساحل الإفريقي، وخاصة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مرحلة شديدة الاضطراب، بعد هجوم واسع ومنسّق أعاد رسم مشهد الصراع في المنطقة بشكل مفاجئ. فالهجوم الذي وقع فجر 25 أبريل 2026 لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل بدا وكأنه لحظة انفجار لتراكمات سياسية وأمنية استمرت لسنوات.
ففي ساعات قليلة، تمكنت جماعات مسلحة من تنفيذ ضربات متزامنة استهدفت مواقع حساسة في عدة مدن مالية، من بينها العاصمة باماكو، إضافة إلى كاتي وكيدال وغاو وموبتي وسيڤاري. وقد أظهر هذا الهجوم مستوى غير مسبوق من التنظيم والتنسيق، أربك القوات الحكومية والقوات الأجنبية الداعمة لها.
ما ميز هذه العملية بشكل خاص هو وصولها إلى قلب العاصمة ومناطق القيادة العسكرية، حيث سُجلت تفجيرات قرب منشآت أمنية ومنازل قيادات بارزة. وتحدثت تقارير عن استهداف مواقع مرتبطة بالبنية العسكرية العليا، في وقت ساد فيه الغموض حول مصير بعض المسؤولين الكبار داخل السلطة الانتقالية.
** انهيار منظومات الاستخبارات والإنذار المبكر
في خضم هذا التصعيد، برز تطور سياسي وأمني بالغ الدلالة، تمثل في تنسيق غير معتاد بين جماعات جهادية تنشط في المنطقة وحركات تمرد طوارقية. هذا التقارب الميداني، رغم التناقض الأيديولوجي بين الطرفين، يعكس تغيرًا في منطق الصراع، حيث أصبحت المصالح العسكرية والفراغات الأمنية تتقدم على الخلافات الفكرية.
كما شهدت مدينة كيدال، ذات الرمزية الكبرى في النزاع، عودة سيطرة المتمردين الطوارق إليها، بعد أن كانت القوات الحكومية قد استعادت المدينة قبل أقل من ثلاث سنوات. هذا التراجع السريع كشف هشاشة المكاسب العسكرية السابقة، وعدم قدرتها على التحول إلى استقرار دائم.
ويمثل أحد أبرز أوجه الضعف في الدول العسكرية الحاكمة في الساحل في انهيار منظومات الاستخبارات والإنذار المبكر. فالهجوم الحالي، بحجمه وتوقيته وتوزعه الجغرافي، لا يمكن أن يكون وليد لحظة، بل نتيجة تخطيط طويل وشبكات لوجستية متغلغلة داخل المدن والقرى.
ويشير السياق الأوسع إلى أن هذه الأنظمة، التي وصلت إلى الحكم عبر انقلابات عسكرية، لم تنجح في معالجة جذور الأزمة الأمنية، بل ورثت مشاكل معقدة تتعلق بضعف الدولة، وانعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والسلطة المركزية، وتدهور شبكات المعلومات الاستخباراتية التقليدية. كما لم تنجح القوى الأجنبية الداعمة، وعلى رأسها الوجود العسكري الروسي، في قلب المعادلة الأمنية.
وتؤكد كل المؤشرات أن الجماعات المسلحة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، لا تعمل فقط كقوة عسكرية، بل تطور نموذجًا بديلًا للحكم المحلي في بعض المناطق، ما يمنحها قدرة على البقاء والتوسع في الفراغ الذي تتركه الدولة.
** تفكك سياسي وإقليمي يفتح المجال للفوضى
على المستوى السياسي، ساهم فشل المسارات التفاوضية، وتآكل الاتفاقات السابقة مع الحركات الطوارقية، في دفع بعض الفصائل نحو تحالفات غير متوقعة مع جماعات جهادية، في إطار معادلة براغماتية فرضتها تطورات الميدان.
كما أدى انهيار التعاون الإقليمي بين دول الساحل، وتراجع التنسيق مع المنظمات الإقليمية، إلى تفكك منظومة الأمن الجماعي، ما سمح بانتقال الجماعات المسلحة بحرية عبر الحدود، في منطقة لم تعد تعترف فعليًا بالسيادة التقليدية للدول.
جغرافيا، لا يمكن اعتبار ما حدث في 25 أبريل لا يمكن اعتباره مجرد هجوم عسكري، بل هو تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بشرعية الدولة نفسها في هذه المنطقة. فالمشكلة لم تعد فقط في “من يسيطر على الأرض”، بل في غياب نموذج حكم قادر على إنتاج الاستقرار والثقة.
وبهذا المعنى، يبدو أن دول الساحل تدخل مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية للحسم، في ظل بيئة سياسية واجتماعية تتغير بسرعة، وتعيد تشكيل خرائط النفوذ بعيدًا عن حدود الدولة التقليدية.
رابط المقال :
https://www.revueconflits.com/mali-burkina-niger-la-faillite-silencieuse...












