
بقلم إليونور سينس - وكالة فرانس برس (AFP)
"إذا غادر المرتزقة الروس، فسنعود إلى ديارنا"؛ بهذه الكلمات يعبر "موسو"* عن أمله في العودة إلى وطنه، وهو الذي لجأ إلى موريتانيا هرباً من النزاع الذي يمزق مسقط رأسه مالي، وذلك عقب الهجمات الواسعة التي تعرض لها الجيش المالي وحلفاؤه الروس من "فيلق أفريقيا" (Africa Corps) يوم السبت الماضي.
هذه الهجمات المنسقة، التي شنتها "جبهة تحرير أزواد" (FLA) الانفصالية (طوارق) بالتعاون مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة، وجهت ضربة غير مسبوقة للمجلس العسكري الحاكم في مالي منذ انقلاب 2020، وأدت بشكل خاص إلى مقتل وزير الدفاع.
وفي بلدة فصالة الموريتانية الواقعة على الحدود المالية، تركت جرائم العناصر المسلحة الروسية ذكريات مؤلمة لدى العديد من اللاجئين الذين التقتهم وكالة فرانس برس. ولا يزال السكان هنا يطلقون عليهم اسم "فاغنر"، وهو اسم الميليشيا الروسية الخاصة التي تحولت إلى "فيلق أفريقيا"، والتي تدعم الجيش المالي في حربه ضد الجهاديين منذ رحيل القوات الفرنسية.
بين حرارة الصحراء وأمل السقوط
جالساً تحت خيمة مؤقتة للاحتماء من حرارة الصحراء الحارقة، يأمل "موسو" في "سقوط (عاصيمي) غويتا"، رئيس المجلس العسكري المالي، قائلاً: "هو من جلب فاغنر إلينا".
فرّ هذا الراعي الطارقي البالغ من العمر 57 عاماً، صاحب اللحية البيضاء الطويلة، من منطقة موبتي بوسط مالي قبل ثلاثة أسابيع، عندما وصل رجال بيض -حدد هويتهم بأنهم من المرتزقة الروس- إلى مخيمه واختطفوا رجالاً. ويروي بأسى كيف قُتل شقيقه على يد الروس أمام عيني ابنه الذي كان يبلغ من العمر حينها 14 عاماً.
في مالي، يقع العديد من المدنيين ضحايا لأعمال انتقامية وانتهاكات يرتكبها الجيش وحلفاؤه الروس، أو الجماعات الجهادية، بتهمة التعاون مع الطرف الآخر. وفي 20 أبريل، قدمت ثلاث منظمات من المجتمع المدني، من بينها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، شكوى أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بشأن انتهاكات مزعومة في مالي تشمل القوات المسلحة ومجموعة فاغنر.
استعادة كيدال وبصيص أمل
أثارت صور قافلة روسية تغادر مدينة كيدال -وهي مدينة رئيسية في شمال مالي سقطت تحت سيطرة متمردي الطوارق نهاية الأسبوع الماضي- بداية أمل حذر بين اللاجئين في رحيل هؤلاء المرتزقة عن بلادهم.
ومثل "موسو"، وجد نحو 300 ألف مالي ملاذاً في منطقة الحوض الشرقي بموريتانيا منذ بداية النزاع في عام 2012. ويستقبل مخيم إمبرة، الذي يبعد نحو 50 كيلومتراً عن الحدود، حالياً 120 ألف لاجئ فروا من العنف المرتكب من جميع الأطراف: الجهاديون، الجيش المالي، المرتزقة الروس، أو حتى الجماعات العرقية.
في أزقة المخيم الرملية، يقول أحمد* (35 عاماً): "آمل في عودة السلام والعودة إلى بلدي". وهو أيضاً يتمنى سقوط العسكريين في السلطة "الذين جلبوا كل المشاكل للبلاد"، مؤكداً أن "بسبب فاغنر جاء الجميع إلى هنا".
مخاوف من التحالفات والضغوط على الموارد
من جانبه، لا يبدو "عبد الله"* (77 عاماً) مبتهجاً بهجوم نهاية الأسبوع الماضي رغم ملامحه الودودة، حيث يقول بصوت خافت: "لست سعيداً على الإطلاق باستعادة جبهة تحرير أزواد لكيدال". ويرى أن التحالف بين الجبهة والجهاديين خطأ، موضحاً: "بالنسبة لي، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حركة إرهابية، وأهدافهم لا تتماشى تماماً مع أيديولوجيتنا كمسلمين معتدلين ومسالمين".
أدت الحصارات التي فرضها الجهاديون على بعض المناطق المالية منذ أكتوبر الماضي إلى موجة نزوح جديدة وصلت إلى نحو 14 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتخشى المنظمات الإنسانية أن تؤدي الأعمال القتالية الأخيرة إلى تدفق جديد للاجئين في هذه المنطقة الصحراوية التي تعاني أصلاً من ضغط شديد على الموارد. ويؤكد عمر دوكالي، المتحدث باسم المفوضية في موريتانيا: "نحن نتابع تطور الوضع باهتمام بالغ وقلق عميق".
في منطقة الساحل التي أصبحت مركزاً عالمياً للعنف الجهادي، تبرز موريتانيا (5.5 مليون نسمة) باستقرارها الملحوظ. لكن وجود أكثر من 300 ألف لاجئ مالي يخلق توترات على "المراعي، وموارد المياه، والخدمات الأساسية بما في ذلك الصحة"، كما يشير شيخنا ولد عبد الله، عمدة فصالة، الذي تستقبل بلديته 70 ألف لاجئ ويعبر عن قلقه من تصاعد القتال في الجارة مالي.
لا تزال الصورة غير واضحة؛ فقد أعلنت جبهة تحرير أزواد يوم الأربعاء عزمها السيطرة على المدن الكبرى في الشمال وتوقعت سقوط المجلس العسكري. وفي هذه الأثناء، تمسك "تيللي"* (22 عاماً) ابنتها الصغيرة بين ذراعيها، وتروي قصة هروبها قبل شهر حين نهب الروس والجيش قريتها في منطقة موبتي وأحرقوها: "لا يمكنني العودة إلى منزلي إلا بعد رحيل فاغنر عن بلادي.. ليس لدي أمل في أن السلام سيعود قريباً".













