موريتانيا: لاجئو مالي بين حلم العودة وكابوس النزوح

تشهد الحدود الموريتانية ـ المالية حالة من الترقب والقلق المتزايد، في ظل التطورات العسكرية الأخيرة في شمال ووسط مالي، والتي أعادت إلى الواجهة آمال آلاف اللاجئين الماليين بالعودة إلى ديارهم، مقابل مخاوف متصاعدة من موجة نزوح جديدة قد تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.

ويعيش في موريتانيا أكثر من 300 ألف لاجئ مالي فرّوا من الحرب الدائرة في بلادهم منذ عام 2012، بعد أن تحولت مناطق واسعة من مالي إلى ساحة صراع مفتوح بين الجيش المالي والجماعات المسلحة والانفصاليين، إضافة إلى المقاتلين الروس التابعين لـ"فاغنر" أو ما يعرف حاليا بـ"أفريكا كوربس".

قصص وشهادات. 

في بلدة فصالة الحدودية شرقي موريتانيا، يروي عدد من اللاجئين قصصا مؤلمة عن الانتهاكات التي يقولون إنهم تعرضوا لها على يد القوات الروسية المتحالفة مع المجلس العسكري الحاكم في باماكو. ويؤكد كثير منهم أن أي أمل في العودة يظل مرتبطا بانسحاب هذه القوات من الأراضي المالية.

من جهته قال أحد اللاجئين الطوارق، ويدعى موسى،  إنه اضطر إلى الفرار من منطقة موبتي وسط مالي بعد وصول مسلحين روس إلى مخيمه وقيامهم باعتقال عدد من الرجال، مشيرا إلى أن شقيقه قُتل قبل عام أمام أعين ابنه. وأضاف أن سقوط النظام العسكري بقيادة العقيد عاصمي غويتا قد يفتح الباب أمام عودة اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية.

وتأتي هذه التصريحات بعد الهجمات الواسعة التي شنها مؤخرا "جبهة تحرير أزواد" بالتعاون مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، ضد الجيش المالي وحلفائه الروس، في عمليات وصفت بأنها من أعنف الضربات التي تعرضت لها السلطة العسكرية منذ انقلاب عام 2020.

وقد أثارت صور انسحاب عناصر روسية من مدينة كيدال، التي استعادت الجماعات المسلحة السيطرة عليها، موجة من التفاؤل الحذر داخل مخيمات اللاجئين، حيث يرى البعض أن تراجع النفوذ الروسي قد يمهد لإنهاء سنوات الحرب والمعاناة.

ضغط على "مخيم "امبرة"

في المقابل، لا يخفي لاجئون آخرون مخاوفهم من طبيعة التحالفات القائمة على الأرض، خاصة التقارب بين الحركات الانفصالية والجماعات الجهادية. ويقول عبد الله، وهو لاجئ طاعن في السن يقيم في مخيم "امبرة"، إن سيطرة الجماعات المسلحة على كيدال لا تبعث على الارتياح، معتبرا أن التحالف مع التنظيمات المتشددة يمثل خطرا على مستقبل المنطقة واستقرارها.

ويعد مخيم "امبرة"، الواقع على بعد نحو خمسين كيلومترا من الحدود المالية، أكبر تجمع للاجئين الماليين في موريتانيا، إذ يؤوي حاليا قرابة 120 ألف شخص فروا من أعمال العنف والانتهاكات المتواصلة.

كما ساهم الحصار الذي فرضته بعض الجماعات المسلحة على عدد من المدن والبلدات المالية منذ أكتوبر الماضي في ارتفاع أعداد الوافدين الجدد إلى موريتانيا، حيث تشير تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى وصول نحو 14 ألف لاجئ إضافي، أغلبهم من النساء والأطفال.

موريتانيا.. من أكثر البلدان استقرارا

تحذر المنظمات الإنسانية من أن التصعيد العسكري الأخير قد يؤدي إلى موجة نزوح أكبر نحو الأراضي الموريتانية، في وقت تعاني فيه المناطق الحدودية أصلا من هشاشة اقتصادية وضغط متزايد على الموارد الأساسية، خصوصا المياه والمراعي والخدمات الصحية.

وفي هذا السياق، أكد مسؤولون محليون في ولاية الحوض الشرقي أن استمرار تدفق اللاجئين يضاعف التحديات الاجتماعية والإنسانية، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهات داخل مالي خلال الأسابيع المقبلة.

ورغم أن موريتانيا تُعد من أكثر دول الساحل استقرارا أمنيا خلال السنوات الأخيرة، فإن استمرار الأزمة المالية يضعها أمام اختبار إنساني وأمني معقد، خاصة مع تزايد المؤشرات على مرحلة جديدة من التصعيد العسكري وعدم وضوح ملامح الحل السياسي في الجارة مالي.

رابط المقال:
https://www.jeuneafrique.com/1796185/politique/en-mauritanie-les-refugie...