في ظلالِ العشرِ المباركات- د.شوكت طه طلافحة

حينَ تُقبِلُ العشرُ الأُوَلُ من ذي الحِجَّة، لا يَدخُلُ الزمانُ علينا كما كان، بل يهبطُ كأنَّه نفحةٌ من السَّماءِ، تُوقِظُ في الأرواحِ ما نامَ طويلًا، وتُذكِّرُ القلوبَ أنَّ لها وطنًا أعلى من الأرض، وأنَّ الإنسانَ مهما أثقلته الحياةُ ما زال يستطيعُ أن يعودَ إلى اللهِ خفيفًا، نقيًّا، باكيًا بين يديه.
هذه الأيامُ ليست أرقامًا في التقويم، ولا مواسمَ عابرةً تُستهلكُ بالشعارات، بل هي أبوابٌ تُفتحُ دفعةً واحدةً للراغبين في النجاة. فيها يقتربُ الغافل، ويصحو المُقصِّر، ويتذكَّرُ التائهُ أنَّ الطريقَ إلى اللهِ لم يُغلَق يومًا.
ما أعجبَ هذه العشر!
فيها تجتمعُ الأمة على طاعةٍ واحدة؛ هنا حاجٌّ يطوفُ باكيًا حول الكعبة، وهناك أمٌّ ترفعُ يديها في جوفِ الليل، وفتًى يُصارعُ شهوته، وشيخٌ يُقلِّبُ سبحته بيدٍ مرتجفة، وفقيرٌ يُخفي صدقته، وعاصٍ عاد منكسرًا بعد طولِ بُعد… وكأنَّ العالمَ كلَّه يتحرَّكُ نحو اللهِ دفعةً واحدة.
في هذه الأيامِ، لا يحتاجُ الإنسانُ إلى معجزةٍ كبيرة؛ يكفيه قلبٌ صادق، ركعتانِ في السَّحر قد تغيِّرانِ عمرًا كاملًا، ودمعةٌ خفيَّة قد تمحو سنواتٍ من القسوة، وتسبيحةٌ خارجةٌ من قلبٍ حيّ قد تسبقُ أعمالًا عظيمةً بلا روح.
العشرُ تُعلِّمُنا أنَّ أعظمَ ما يملكه الإنسانُ ليس قوَّته، بل افتقاره. أن تقفَ بين يدي اللهِ شاعرًا بأنَّك لا شيء بدونه… تلك هي العظمةُ الحقيقية، وأن تبكي لأنَّ قلبك تأخَّرَ عن ربِّه طويلًا… تلك ليست هزيمة، بل بدايةُ النجاة.
وفي يومِ عرفة، يبلغُ النورُ ذروتَه، يومٌ تتنزَّلُ فيه الرحماتُ كالمطر، وتُفتَحُ أبوابُ المغفرةِ حتى للعائدين من آخرِ الطريق. كم من قلبٍ تغيَّر في عرفة! وكم من إنسانٍ دخلَه مثقلًا بالذنوب، وخرجَ منه بروحٍ جديدة، كأنَّه وُلِدَ من جديد.
ثم يأتي العيد… لا بوصفِه فرحًا عابرًا، بل إعلانًا ربَّانيًّا أنَّ مَن صدقَ مع اللهِ لا يخرجُ خاسرًا أبدًا، فالعيدُ الحقيقي ليس ثوبًا جديدًا، بل قلبٌ جديد، وليس مائدةً عامرة، بل روحٌ امتلأت قربًا وسكينة، يا صاحِبَ القلبِ المُتعَب… هذه الأيامُ ليست للمثاليِّين وحدهم، بل للمكسورين أيضًا، للذين أرهقتهم الذنوب، وأتعبتهم الحياة، وضاقت بهم أنفسُهم. اقتربْ كما أنت. فربُّ العشرِ لا يردُّ عبدًا جاءه مشتاقًا، ولو حملَ في قلبه تعبَ الدنيا كلِّها، فاجعلْ لك في هذه الأيامِ نصيبًا من الذِّكر، ونصيبًا من القرآن، ونصيبًا من الدموعِ التي لا يراها أحد، فربَّ عملٍ صغيرٍ عَظُمَ بالإخلاص، وربَّ لحظةِ صدقٍ فتحتْ للعبدِ أبوابًا من النورِ لا تُغلَق.
وما أجملَ أن تنتهيَ العشرُ وقد تغيَّر فيك شيء… أن يصبحَ قلبُك ألين، وروحُك أقرب، وعينُك أسرعَ إلى الدمع، ولسانُك أكثرَ ذكرًا لله. فذلك هو الفوزُ الحقيقي… أن تخرجَ من الموسمِ وقد اقتربتَ من اللهِ خطوة.

#تزكية_إنسان_النهضة
#العشر