من مالي إلى موريتانيا: شهادات موجعة عن حرب تطحن المدنيين بلا رحمة

على الحدود بين موريتانيا ومالي، حيث تنتشر مخيمات اللجوء في ولاية الحوض الشرقي، تتكشف روايات قاسية يرويها مدنيون فرّوا من دوامة العنف في الداخل المالي، متهمين القوات الحكومية وعناصر أجنبية متحالفة معها بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق السكان.

شريفة، وهي لاجئة مالية فقدت ابنها في حادثة عنف، تتحدث بصعوبة وهي تسترجع تفاصيل ما حدث. تقول إن ابنها كان ضمن مجموعة من خمسة رجال كانوا في رحلة تجارية داخل الأراضي المالية، قبل أن تعترضهم دورية عسكرية. وتضيف أن الرجال جرى تقييدهم ثم قتلهم بوحشية وإحراق ممتلكاتهم، في حادثة تقول إن سكاناً محليين شاهدوها من بعيد دون أن يتمكنوا من التدخل خوفاً من الخطر.

وتؤكد أن الضحايا “لم يكونوا مقاتلين ولا يحملون أي سلاح”، معتبرة أن المدنيين أصبحوا يدفعون ثمن الصراع المستمر في البلاد منذ سنوات.

اتهامات متكررة للقوات المالية وحلفائها

هذه الشهادة ليست معزولة، إذ يروي عدد من اللاجئين في المخيمات الموريتانية قصصاً مشابهة عن عمليات اعتقال وتعذيب وقتل، يربطونها بتحركات الجيش المالي مدعوماً بقوات أجنبية روسية كانت تعرف سابقاً بمجموعة فاغنر، والتي أعيد تنظيمها ضمن تشكيلات عسكرية جديدة مرتبطة بوزارة الدفاع الروسية.

ومنذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة في مالي عام 2020 بقيادة الجنرال عاصمي غويتا، اتجهت باماكو إلى تعزيز تعاونها العسكري مع روسيا، بعد تراجع الوجود العسكري الفرنسي في البلاد.

حصيلة ثقيلة من الضحايا المدنيين

تشير بيانات من منظمات متخصصة في تتبع النزاعات إلى أن العمليات العسكرية في مالي منذ عام 2020 أسفرت عن سقوط آلاف القتلى، بينهم نسبة كبيرة من المدنيين. وتوضح هذه المعطيات أن وجود القوات الروسية إلى جانب الجيش المالي يرتبط بارتفاع عدد الضحايا المدنيين في عدد من العمليات الميدانية.

وفي هذا السياق، يقول نيدون، وهو راعٍ من الطوارق في الخمسينيات من عمره، أنه اعتُقل أثناء وجوده قرب منطقة ريفية شمال البلاد، قبل أن يُنقل مع آخرين في ظروف قاسية. ويقول إنه تعرض للضرب والتقييد، ثم احتُجز لأيام في معسكر عسكري حيث خضع لتحقيقات عن الجماعات المسلحة.

ويضيف أنه تعرض لتعذيب شديد، بينها صدمات كهربائية، في محاولة لانتزاع معلومات منه. ويؤكد أنه لم يُفرج عنه إلا بعد دفع مبلغ مالي كبير، في ظل ظروف وصفها بأنها “مهينة وقاسية”.

موجة نزوح واسعة نحو موريتانيا

في ولاية الحوض الشرقي الموريتانية، تستقبل المدن الحدودية منذ سنوات موجات متتالية من اللاجئين الفارين من الحرب في مالي. وتقدّر مصادر إنسانية عددهم بمئات الآلاف، معظمهم يعيشون في مخيمات ظروفها صعبة وتعتمد على المساعدات الإنسانية.

وتشير منظمات إغاثية تعمل في المنطقة إلى أن الوافدين الجدد يعانون من صدمات نفسية وإصابات جسدية متفاوتة، إضافة إلى شهادات متكررة عن انتهاكات تشمل التعذيب والعنف الجنسي.

كما تؤكد تلك المنظمات أن بعض المدنيين تحدثوا عن ممارسات مروعة خلال النزاع، دون أن تتمكن من التحقق الكامل من الجهات المسؤولة عن جميع الوقائع.

وضع أمني متدهور وصراع متعدد الأطراف

يأتي ذلك في وقت يشهد فيه مالي تصعيداً أمنياً متزايداً، مع استمرار المواجهات بين الجيش المالي والجماعات المسلحة، من بينها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وحركات انفصالية في الشمال.

وتقول مصادر ميدانية إن خسارة الحكومة السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية في الشمال، مثل كيدال، شكلت تطوراً بارزاً في مسار الصراع، وأعادت رسم خريطة النفوذ في البلاد.

في السياق ذاته، تقدمت منظمات حقوقية دولية بشكاوى تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، مطالبة بفتح تحقيقات مستقلة حول ما يجري في مناطق النزاع.

أصوات من المخيمات: “نريد العودة فقط”

وسط هذا الواقع، يعبّر لاجئون كثر عن رغبتهم الأساسية في العودة إلى قراهم إذا ما عاد الاستقرار. إحدى اللاجئات من الطوارق تقول إن ما حدث في قريتها جعل الحياة مستحيلة، مؤكدة أن النساء على وجه الخصوص تحملن الجزء الأكبر من المعاناة.

وتضيف: “كنا نعيش بسلام قبل الحرب… اليوم لا نريد سوى أن نعود إلى بيوتنا”.

رابط المقال:
https://www.france24.com/fr/info-en-continu/20260519-au-mali-les-civils-...