"قيّدوا الضحايا قبل أن تقطع رؤوسهم": لاجئون ماليون يروون فظائع الحرب ويتهمون قوات روسية بارتكاب انتهاكات دامية

في قلب الصحراء الموريتانية، حيث تمتد مخيمات اللجوء على أطراف مدن حدودية أنهكها تدفق النازحين، يحاول آلاف الماليين الهروب من ذكريات الحرب التي لاحقتهم حتى بعد عبور الحدود. هناك، لا تبدو الخيام مجرد أماكن للإيواء، بل تتحول إلى فضاءات مثقلة بالحكايات المؤلمة؛ حكايات عن قرى أُحرقت، وعائلات تفرقت، ومدنيين وجدوا أنفسهم فجأة وسط صراع لا يملكون فيه سوى النجاة بأرواحهم.

ومن بين تلك الأصوات المكلومة، برزت شهادة امرأة ستينية لم تستطع إخفاء ارتجاف صوتها وهي تستعيد اللحظات الأخيرة في حياة ابنها. كانت تجلس داخل مأوى بسيط من الطوب، بينما تنساب دموعها ببطء وهي تردد أن فقدانه لا يزال «أكبر وجع» عرفته في حياتها.

تقول هذه السيدة أن ابنها غادر المنزل في أغسطس الماضي برفقة أربعة رجال آخرين، في رحلة بدت في ظاهرها اعتيادية، إذ كانوا ينوون بيع بعض البضائع قرب الحدود بين مالي وموريتانيا. غير أن تلك الرحلة القصيرة تحولت، خلال ساعات، إلى مأساة دامية بعدما اعترضت طريقهم مجموعة مسلحة تضم عناصر من الجيش المالي ومقاتلين روس تابعين لـ«فيلق أفريقيا»، الذي يُنظر إليه باعتباره الامتداد الجديد لمجموعة فاغنر الروسية.

وبحسب روايتها، لم يُمنح الرجال أي فرصة للدفاع عن أنفسهم أو حتى تفسير سبب وجودهم في المنطقة، إذ جرى توقيفهم وتقييدهم قبل أن يتعرضوا للقتل بطريقة وصفتها بـ«الوحشية». وبينما كانت شريفة تروي التفاصيل، بدا واضحاً أن الصدمة لم تغادرها، وكأن الحادثة وقعت بالأمس لا قبل أشهر.

غير أن مأساة هذه الأم لم تكن حالة معزولة، بل بدت جزءاً من مشهد أكبر يتكرر في شهادات كثير من اللاجئين الماليين الذين وصلوا إلى موريتانيا هرباً من العنف المتصاعد في بلادهم. فكل رواية كانت تقود إلى أخرى، وكل قصة تحمل في تفاصيلها قدراً مشابهاً من الرعب والخوف.

روايات متشابهة تكشف اتساع دائرة العنف

داخل المخيمات، يتحدث اللاجئون بحذر شديد، وكأن الخوف لا يزال يلاحقهم حتى بعد عبور الحدود. ومع ذلك، فإن معظم الشهادات تتقاطع عند نقاط واحدة: اعتقالات عشوائية، واختفاء أشخاص بعد توقيفهم، وعمليات قتل طالت مدنيين لا علاقة لهم بالقتال الدائر بين الجيش والجماعات المتشددة.

ويؤكد عدد من الناجين أن القوات المالية، مدعومة بمقاتلين روس، كثفت عملياتها العسكرية في مناطق الشمال والوسط، تحت عنوان مكافحة الإرهاب، إلا أن السكان المحليين يقولون إن المدنيين أصبحوا يدفعون الثمن الأكبر لهذه العمليات. فبينما تلاحق القوات الحكومية الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، تجد القرى نفسها محاصرة بالخوف والشك والانتقام.

ومع مرور الوقت، لم يعد القلق مقتصراً على خطر المعارك وحدها، بل امتد ليشمل مخاوف من استهداف مجموعات عرقية بعينها، خصوصاً أبناء الطوارق والفولاني، الذين يؤكد بعض اللاجئين أنهم تعرضوا لمعاملة قاسية بسبب هوياتهم وانتماءاتهم القبلية.

وتزداد حساسية هذه الاتهامات في ظل التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها مالي خلال السنوات الأخيرة. فبعد تراجع النفوذ العسكري الفرنسي وانسحاب جزء كبير من القوات الأجنبية، اتجهت السلطات المالية إلى تعزيز تعاونها مع روسيا، الأمر الذي أدى إلى تصاعد حضور المقاتلين الروس في العمليات الميدانية، سواء بشكل مباشر أو عبر مجموعات شبه عسكرية مثل «فيلق أفريقيا».

صمت رسمي يزيد المخاوف

رغم تكرار هذه الشهادات وتزايد التقارير الحقوقية التي تحذر من انتهاكات محتملة ضد المدنيين، لم تصدر السلطات المالية أو الجانب الروسي رداً مفصلاً ينفي أو يوضح ما يرويه اللاجئون. هذا الصمت، بالنسبة لكثيرين داخل المخيمات، لا يزيد إلا من شعورهم بالخوف وانعدام الثقة.

وفي المقابل، تحذر منظمات إنسانية من أن استمرار العنف قد يدفع بموجات نزوح جديدة نحو الدول المجاورة، خصوصاً مع تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في مناطق واسعة من مالي. فالعائلات التي نجحت في الفرار لا تعرف إن كانت ستتمكن يوماً من العودة إلى منازلها، بينما لا يزال آخرون عالقين داخل مناطق النزاع، يواجهون مصيراً مجهولاً.

وهكذا، تبدو الحرب في مالي أبعد من مجرد مواجهة عسكرية مع جماعات متشددة؛ إذ تحولت، في نظر كثير من المدنيين، إلى واقع يومي من الخوف والفقدان والتشرد. وبينما تستمر العمليات العسكرية وتتعقد التحالفات الدولية، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في صراع لا يملكون القدرة على إيقافه، لكنهم يحملون ندوبه أينما ذهبوا.

رابط المقال:
https://www.parismatch.com/actu/international/les-agresseurs-les-ont-lig...