إلى أي نسبة وصل "التخصيب الشرائحي" في موريتانيا؟- محمد الأمين الفاضل

من الملاحظ أن هناك تصاعدا مقلقا في الخطابات الحادة والمتطرفة وخطابات الكراهية في الفضاءات العامة، سواء كانت تلك الفضاءات العامة سياسية أو إعلامية أو حقوقية، وهذا مما بات يغذي اليوم الشحن الشرائحي والعرقي القائم على الانتماءات الضيقة، وقد ساهم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتنامي تأثيرها خلال العقدين الأخيرين في ذلك.
في حديث هاتفي مع أحد المهتمين بالشأن العام، تعقيبا على مقال نشرته عن الموضوع، فاجأني محدثي بمقارنة لم تخطر لي على بال، وذلك عندما قارن بين مستوى التخصيب في اليورانيوم الذي تسعى بعض الدول للوصول إليه، من أجل أن تكون قادرة على إنتاج سلاح نووي مدمر، وتخصيب الشحن الشرائحي والعرقي في بلادنا، وتساءل محدثي ـ بقلق بالغ ـ عن النسبة التي وصلنا إليها في موريتانيا على مستوى الشحن الشرائحي والعرقي، وهل هذه النسبة باتت قريبة من المستوى الكافي لإحداث انفجار نووي ـ لا قدَّر الله ـ يمس استقرار البلد والانسجام بين مكوناته الوطنية.
قد تبدو مقارنة مُحَدِّثي غريبة نوعا ما، ومتشائمة إلى حد ما، ولكنها مع ذلك، تبقى مقارنة تستحق التأمل، وتستوجب منا في كل الأحوال حماية للسلم الاجتماعي، أن نتابع ـ وباستمرار ـ مقياس أو مؤشر تخصيب الشحن الشرائحي والعرقي في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا يصل هذا المؤشر إلى مستوى قابل للانفجار النووي، فتقع الكارثة.
وتقتضي متابعة هذا المؤشر أن نحدد أولا الجهات التي تساهم في تصاعد الخطاب الحاد والمتطرف، وأن نعمل ثانيا على الحد من حدة ذلك الخطاب، حتى لا يصل إلى مستوى التخصيب الحرج الذي يمكن أن يحدث انفجارا يهدد وحدة البلد وتماسكه الاجتماعي.  
إن هناك جهات عديدة ساهمت في تصاعد العنف اللفظي وانتشار الخطابات الحادة والمتطرفة خلال العقدين الأخيرين، وسنتوقف في هذا المقام مع اثنتين منها: 
أولا / الأنظمة الحاكمة
إن المسؤول الأول عن تصاعد الخطابات المتطرفة والحادة هو الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد، وذلك لسببين اثنين، أولهما لأنها لم تتمكن من إيجاد حل جذري للمظالم الاجتماعية، وثانيهما لأنها لجأت إلى أخطر الحلول، أي استخدام المسكنات والمهدئات لمواجهة تلك المظالم. صحيح أن هذه المسكنات قد تخفف مؤقتا من مظاهر المرض، ولكنها ـ وهذا هو أخطر ما فيها ـ تزيد دائما من تفاقمه في المستقبل.
فإذا ما عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، إلى العقدين الماضيين، فسنجد أن أصحاب الخطابات المتطرفة، كانوا يحظون دائما من دوائر السلطة بمعاملة إيجابية تختلف عن المعاملة السلبية التي يحظى بها أصحاب الخطابات المعتدلة.
فالسلطة أو بعض دوائرها ترى دائما في صاحب الخطاب المتطرف خطرا يجب اسكاته، إما بالترهيب أحيانا، وإما بالترغيب في أحايين أخرى. أما صاحب الخطاب الجامع المعتدل، فهو مأمون الشر، ولذا فيتم في كثير من الأحيان تجاهله، ولا شيء أخطر على المهتم بالشأن العام، سياسيا كان أو إعلاميا أو حقوقيا، من التجاهل المزدوج من الحكومة والشعب.
 فبدلا من العمل على الحل الجذري للمظالم المجتمعية، عملت بعض دوائر السلطة على احتواء من يعبر عن تلك المظالم بخطاب حاد ومتطرف من خلال منحه وظيفة أو مال أو أي امتياز آخر لإسكاته، بل ولدفعه على تبديل خطابه الحاد المتطرف بخطاب متطرف في الاتجاه الآخر، يبالغ كثيرا في تمجيد السلطة وإنجازاتها، وينفي في الوقت نفسه وجود أي مظالم مجتمعية.
قد ترى دوائر السلطة في احتواء ذلك الصوت المتطرف بتلك الطريقة، أنها حققت نجاحا تكتيكيا كبيرا، ولكنها في حقيقة الأمر تكبدت استراتيجيا خسارة فادحة، وذلك لأنها لم تعالج المظالم، وتركت البيئة مناسبة لظهور المزيد من الخطابات المتطرفة، ولأنها ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أرسلت بما  منحت لصاحب الصوت المتطرف من إغراءات، رسالة واضحة جدا، وصريحة جدا، وفي منتهى الخطورة، مفادها أن "المناضل" الأكثر تطرفا، والصوت الأعلى حدة، سيكون في الغالب الأعم هو الأسرع في الحصول على الوظائف والمكاسب والامتيازات التي تمنحها السلطة لإسكات معارضيها.  
فالسلطة عندما تمنح امتيازات مغرية لصاحب خطاب متطرف، فإنها بذلك التصرف لا تشتري صمت ذلك المتطرف، بل إنها تعلن ـ قصدت ذلك أم لم تقصد ـ عن عشرات "الامتيازات الشاغرة" لكل من يسلك مستقبلا نهج صاحب ذلك الخطاب المتطرف.
فهل هناك تشجيع للخطابات المتطرفة والحادة أكثر فعالية من هذا الأسلوب الذي تعتمده بعض دوائر السلطة؟
وكمثال على الامتيازات التي يمكن أن تعرضها بعض دوائر السلطة على أصحاب الخطابات المتطرفة، ما ذكره مؤخرا أحد النواب في مقابلة تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيها إن أحد الوزراء استدعاه في العام 2024، وقال له إن النظام على استعداد لمنحه نصف مليار أوقية لمساعدته في السياسة. اللافت في الأمر أن هذا النائب هو نفسه الذي تهجم قبل فترة على الدولة الموريتانية ـ لا على النظام الحاكم فقط ـ في منابر دبلوماسية وإعلامية في أوروبا والسنغال، وهو نفسه الذي جاهر بالتضامن والتعاطف مع مجرم أجنبي قتل مواطنا موريتانيا في جريمة تُعَدُّ من بين أبشع الجرائم المسجلة في السنوات الأخيرة.
لستُ بطبيعة الحال من الذين يصدقون هذا النائب في كل ما يقول، فلدي من أقواله المتناقضة ما يكفي للتشكيك في كل ما يقول، ولكن ومع ذلك، فإن ما قاله في تلك المقابلة، يبقى له ما يدعمه، حتى وإن لم نتأكد من صحته، فكم من امتياز ووظيفة وصفقة عمومية منحتها بعض دوائر السلطة خلال العقدين الأخيرين لأصحاب الخطابات المتطرفة؟ 
يمكنكم أن تشغلوا العداد، وسيوصلكم مهما ضعفت ذاكرتكم، إلى رقم مقلق.
وفي المقابل، فإنكم لن تسمعوا عن وزير استدعى نائبا معارضا، من أصحاب الأصوات المعتدلة، ليقول له إن النظام على استعداد لدعمه بالمال، مكافأة له على معارضته الوطنية المسؤولة، والتي يفرق فيها بين النظام الذي يجوز للمعارض أن ينتقده كما يشاء، والدولة التي يجب أن تبقى دائما فوق التجاذبات السياسية بين الأغلبية والمعارضة.
وإذا ما تركنا الترغيب جانبا، وذهبنا إلى أسلوب الترهيب، والذي قد تستخدمه الأنظمة ضد بعض أصحاب الخطابات المتطرفة، فسنجد أن استخدامها لهذا الأسلوب لا يختلف كثيرا عن استخدامها لأسلوب الترغيب، فهي تستخدم أيضا هذا الأسلوب بشكل خاطئ، ذلك أنها قد تتجاوز في أحايين كثيرة بعض الإجراءات القانونية عندما تقرر معاقبة أصحاب الخطاب المتطرف، وفي أحايين أخرى فإنها إذا عاقبت لا تعاقب بصرامة، وقد تطلق سراح من اعتقلته عقابا على تطرفه قبل انتهاء فترة عقابه، فتكون النتيجة في المحصلة النهائية هي أن يحظى صاحب الخطاب المتطرف بتضامن واسع مبرر أو غير مبرر، فيكسب بذلك المزيد من الحضور في المشهد السياسي والإعلامي والحقوقي، وهذا هو ما كان  يسعى إليه أصلا. 
ثانيا/ منصات التواصل الاجتماعي.
إن الخوارزميات في مواقع التواصل الاجتماعي لا تختلف كثيرا عن بعض دوائر السلطة، فهي تتجاهل الخطاب العقلاني والمتزن، وتكافئ أصحاب الخطابات القائمة على الإثارة والتفاهة والتطرف. ولعل من أخطر ما يجهله الكثير من "الطيبين" في مواقع التواصل الاجتماعي، أن كل تعليق غاضب، وكل حملة ضد صاحب الخطاب المتطرف، ستتحول تلقائيا إلى تفاعل، وإلى المزيد من الانتشار لصاحب الخطاب المتطرف. 
وعلى العكس من ذلك، فإن أصحاب الخطاب المعتدل، لا يجدون تفاعلا من الجمهور الذي لا يهتم إلا بالصراعات والخطابات المسيئة وتوافه الأمور، فتغيبهم الخوارزميات لعدم اهتمام الجمهور بهم، وبذلك يقل مستوى تأثيرهم في توجيه الرأي العام، ومع مرور الوقت يبدؤون بالانسحاب، ليتركوا منصات التواصل الاجتماعي للرعاع يتهارجون فيها كيف ما شاؤوا.
إن صاحب الخطاب المعتدل، لا يحصد الإعجابات في منصات التواصل الاجتماعي، ولا يجد اهتماما لائقا من المواطنين، ولا تمنحه السلطة أي اعتبار لأنه مأمون الشر، فتكون نتيجة ذلك، أنه يصاب بالإحباط فينسحب من المعركة مبكرا، كما انسحب إخوة له من قبل، بل إنه قد لا يكتفي بالانسحاب، فربما تستهويه الخطابات الحادة والمتطرفة التي تجد تفاعلا في منصات التواصل الاجتماعي، ويتم تداولها في الصالونات، وتوليها السلطة اهتماما، فيميل إليها ميلا، فيصبح من الذين "يتعاطون" الخطابات ذات الضرر الكبير على الوطن.  
ثالثا / ما الحل؟
يمكن أن نجمل الحل لمواجهة الخطابات الضارة بمختلف أشكالها وأنماطها في أربع نقاط:
1 ـ أن تدرك السلطة وبمختلف دوائرها أن هناك ملفات شائكة لم يعد بالإمكان التعامل معها بالمسكنات أو المهدئات، ولا بأنصاف الحلول، فلا بد لها من حلول جذرية، وعلى رأس تلك الملفات الشائكة تأتي المظالم الاجتماعية والفساد.
2 ـ أن تتوقف بعض دوائر السلطة، وبشكل نهائي، عن منح أي امتيازات من أي نوع لأصحاب الخطابات الضارة بمختلف أشكالها وأنماطها، قصد استقطاب أصحاب تلك الخطابات إلى صفوفها.
3 ـ أن تعاقب وبصرامة ـ دون أي تجاوز للقانون ـ كل من يهدد استقرار البلد والتماسك الاجتماعي بين مكوناته، وألا تلقي بالا لموجات التضامن الغبي التي تُحاول عرقلة أي تطبيق للقانون.
4 ـ توقف انسحاب أصحاب الخطابات المعتدلة والآراء الراشدة من منصات التواصل الاجتماعي. صحيح أن البقاء في هذه المنصات التي سيطر عليها التافهون والمتطرفون والمبتذلون أصبح في غاية الصعوبة، ولكن الحل ليس بالانسحاب ولا برفع الراية البيضاء. اصمدوا واصمدوا ثم اصمدوا، وهذا هو كل ما لديَّ لأقوله لكم إذا ما كنتم تريدون فعلا إيقاف تصاعد مستوى التخصيب الشرائحي والعرقي قبل أن يصل إلى المستوى الحرج.
حفظ الله موريتانيا..