
بين العلماء أن سبب كفر إبليس هو استكباره ورده لأمر الله تعلى له بالسجود لآدم، ودعواه أنه غير جار على مقتضى الحكمة، وهذا الأمر يخشى على كثير ممن يأبى الانقياد لحكم الله تعلى اليوم، ويرى استبداله بالقوانين الغربية: أن يكون واقعا فيه عن قصد أو عن غير قصد..
قال الشيخ الإمام محمد الطاهر بن
عاشور في التحرير والتنوير بعد أن بين أن قوله تعلى في وصف إبليس: (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) مدلول "كان" فيه الاتصاف بالكفر في زمن سابق لنزول الآية، ونبه على أن أكثر المفسرين لم ينتبهوا لذلك فاضطربت آراؤهم في توجيه الآية. قال: "وأمثلهم طريقة الذين جعلوا ( كان ) بمعنى صار فإنه استعمال من استعمال فعل " كان " ، قال تعالى (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) وقال: (وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا) وقول ابن أحمر :
بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
أي صار كافرا بعدم السجود لأن امتناعه نشأ عن استكباره على الله واعتقاد أن ما أمر به غير جار على حق الحكمة وقد علمت أن الانقلاب الذي عرض لإبليس في جبلته كان انقلاب استخفاف بحكمة الله تعالى فلذلك صار به كافرا صراحا" اهـ كلامه. وهو يرى أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة وإنما أقامه الله تعلى بينهم الارتياض والتشبه بهم فلذلك صار مأمورا بما أمروا به، وملحقا بهم في ذلك..
وقال ابن القيم في المدارج: وأما كفر الإباء والاستكبار فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار... انتهى.
من هنا نفهم خطورة ما نبه عليه والدنا وشيخنا الشيخ محمد فاضل حفظه الله -وإن قصرت عبارته عن بيانه- من أن بعض المعاصي قد يؤدي بصاحبه إلى الكفر فالمعاصي بريد الكفر كما يقول العلماء، ولو قدرنا أن أحدا ترك الصلاة استخفافا بها من حيث هي شعيرة من شعائر الإسلام، او جحدا لوجوبها، او استكبارا عن عبادة الله لكان كافرا بذلك.. وكذا لو استحل الخمر او الزنا او الربا ونحو ذلك مما ثبت تحريمه بالنص القطعي لكان كافرا..
وأما لو تركها تكاسلا وتهاونا فلا يكفر بذلك عند المالكية، وبعض العلماء كأحمد يرى تكفيره، وأنه يقتل كفرا لا حدا…
كما قال الناظم:
خسر الذي ترك الصلاة وخابا***وأبى معادا صالحا ومآبا
إن كان يجحدها فحسبك أنه ** أمسى بربك كافرا مرتابا
أو كان يتركها لنوع تكاسل*** غطى على وجه الصواب حجابا
فالشافعي ومالك رأيا له*** ان لم يتب حد الحسام عقابا
وعلى العموم فمذهب أهل السنة ألا يكفر أحد بذنب ما لم يستحله..
وأنبه أخيرا على أن بعض من يسمى بالقرآنيين -والقرآن منهم براء- يستدل بقصة إبليس على تكفير تارك الصلاة، وهو استدلال ضعيف، فإبليس كفر بتكبره، ورد لحكم الله وزعمه أنه غير جار على مقتضى الحكمة كما تقدم..،













