موريتانيا: محمد غلام "حارس المخطوطات حفاظا على ذاكرة شنقيط

في مدينة شنقيط التاريخية، حيث تتعانق جدران الطين والحجر مع رمال الصحراء الكبرى، يواصل محمد غلام الحباط مهمة استثنائية تتمثل في حماية واحدة من أثمن الثروات الثقافية في موريتانيا. وبين رفوف مكتبته العائلية العتيقة، يقضي الرجل أيامه في رعاية مئات المخطوطات النادرة التي تختزن قروناً من المعرفة الإسلامية والإنسانية.

هذه المخطوطات ليست مجرد كتب قديمة، بل شواهد حية على مرحلة ازدهرت فيها شنقيط كإحدى أبرز الحواضر العلمية في غرب العالم الإسلامي. فمن هذه المدينة الصحراوية انطلقت رحلات العلماء وطلاب العلم، وإليها كانت تصل القوافل التجارية والحجاج القادمون من مختلف المناطق، ما جعلها مركزاً للتبادل الفكري والثقافي عبر قرون طويلة.

ومع تغير الزمن وتبدل طرق التجارة وتراجع الدور التاريخي للمدينة، أصبحت هذه الكنوز المعرفية تواجه تحديات غير مسبوقة تهدد باندثار جزء مهم من الذاكرة الحضارية للمنطقة.

مدينة صنعت مجدها بالعلم

عرفت شنقيط مكانة استثنائية في التاريخ الثقافي لمنطقة الساحل والصحراء. فقد شكل موقعها الاستراتيجي على طرق القوافل العابرة للصحراء عاملاً أساسياً في تحولها إلى مركز علمي وتجاري بارز بين القرنين الثالث عشر والسابع عشر.

وخلال تلك الفترة، ازدهرت فيها المكتبات والمدارس العلمية، واحتضنت آلاف المخطوطات التي تناولت علوم الشريعة واللغة والطب والفلك والرياضيات والأدب. كما استقطبت علماء وباحثين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، حتى أصبحت رمزاً للعلم والمعرفة في المنطقة.

ويعود جزء كبير من هذا الإرث إلى جهود أسر علمية توارثت حفظ المخطوطات جيلاً بعد جيل، وكان من بينها أسرة الحباط التي لا تزال تحتفظ بمجموعة نادرة من المؤلفات والمراجع التاريخية التي جمعها أسلافها خلال رحلات طويلة في أرجاء العالم الإسلامي.

غير أن هذه المكانة التاريخية تراجعت تدريجياً مع تحولات اقتصادية واجتماعية متعاقبة دفعت كثيراً من سكان المدينة إلى الهجرة نحو المراكز الحضرية الكبرى بحثاً عن فرص أفضل للحياة والتعليم والعمل.

ورغم ذلك، ما تزال بعض الأسر تتمسك بمسؤولية الحفاظ على ما تبقى من هذا التراث، معتبرة أن المخطوطات ليست ملكاً خاصاً، بل جزء من هوية وطنية وحضارية يجب صونها.

تراث تحت ضغط المناخ والهجرة

إلى جانب آثار التغيرات الاجتماعية، تواجه شنقيط تحديات بيئية متزايدة تضع تراثها العمراني والثقافي أمام اختبارات صعبة. فالتصحر الذي رافق المنطقة على مدى عقود طويلة بات أكثر حدة بفعل التغيرات المناخية، فيما أصبحت العواصف الرملية أكثر تواتراً، كما ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات تؤثر بشكل مباشر على سلامة المخطوطات والوثائق القديمة.

وتعد المخطوطات الورقية من أكثر المواد حساسية للتقلبات المناخية، إذ يمكن للحرارة المفرطة أو الرطوبة المفاجئة أن تتسبب في تلفها بشكل يصعب إصلاحه. كما أن المباني التقليدية المشيدة بالطين والحجر لم تعد قادرة دائماً على مقاومة الظروف المناخية الجديدة بالفعالية نفسها التي كانت تتمتع بها في الماضي.

وفي الوقت ذاته، يشكل تراجع عدد السكان المقيمين داخل المدينة القديمة تحدياً إضافياً، إذ تقل الأيدي القادرة على العناية بالمكتبات وصيانة المباني التاريخية. كما أن اهتمام الأجيال الجديدة يتجه غالباً نحو فرص التعليم والعمل في المدن الكبرى، ما يثير مخاوف من انقطاع سلسلة الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الفريد.

معركة للحفاظ على ذاكرة الإنسانية

في مواجهة هذه التحديات، يواصل محمد غلام الحباط جهوده اليومية لحماية المخطوطات التي عهدت إليه أسرته بحفظها. فهو لا ينظر إلى مهمته باعتبارها عملاً شخصياً أو عائلياً فحسب، بل مسؤولية تجاه تاريخ المنطقة وتراثها الفكري.

وتتطلب عملية الحفظ عناية مستمرة تشمل مراقبة حالة المخطوطات، وتأمين ظروف تخزين مناسبة، والعمل على ترميم ما تضرر منها قبل أن يفقد محتواه العلمي والتاريخي. كما أن مشاريع الرقمنة والتوثيق أصبحت تمثل أملاً مهماً في ضمان بقاء هذه الكنوز متاحة للأجيال المقبلة.

وقد ساهمت مبادرات وطنية ودولية خلال السنوات الأخيرة في دعم بعض المكتبات التاريخية بمدينة شنقيط، إلا أن المختصين يؤكدون أن حماية هذا التراث تحتاج إلى جهود متواصلة واستثمارات أكبر تواكب حجم التحديات القائمة.

وبينما تواصل الرمال زحفها البطيء حول المدينة العريقة، يبقى الحباط متمسكاً بمهمته، مؤمناً بأن الحفاظ على هذه المخطوطات هو حفاظ على جزء من الذاكرة الجماعية للإنسانية. فكل كتاب ينجو من التلف، وكل مخطوط يُصان من الضياع، يمثل انتصاراً صغيراً في معركة طويلة لحماية تاريخ صنعته قرون من العلم والمعرفة في قلب الصحراء الموريتانية.

رابط المقال:
https://www.aljazeera.com/features/2026/4/27/the-man-guarding-mauritania...