موريتانيا: نساء اترارزة يحوّلن السمك إلى سلسلة إنتاج تقاوم الفقر وسوء التغذية

في جنوب موريتانيا، وبالتحديد على ضفاف نهر السنغال، لا تبدو الأسماك مجرد مورد طبيعي موسمي، بل أصبحت محورًا لاقتصاد محلي تقوده النساء ويعيد رسم ملامح الحياة في القرى الريفية.

ففي قرية گاني التابعة لبلدية دكانة بولاية الترارزة، على بعد نحو 250 كلم، من نواكشوط، تتشكل يوميًا قصة مختلفة عنوانها: تحويل البساطة إلى منظومة إنتاج متكاملة.

جزء من نظام اقتصادي دقيق

داخل هذا السياق، تنشط أكثر من 600 امرأة، ضمن تعاونية “داني سا دولي”، حيث لم يعد العمل مقتصرًا على الصيد أو البيع المباشر، بل توسّع ليشمل سلسلة مترابطة تبدأ من لحظة إنزال السمك من القوارب، وتمر بعمليات الفرز والمعالجة، قبل أن تنتهي إلى التسويق أو التجفيف والتدخين بهدف التخزين خلال فترات ندرة الغذاء.

لم يأت هذا التحول بمعزل عن دعم خارجي، بل في إطار مشروع الأمن الغذائي ومكافحة سوء التغذية المعروف بـ“بروسّلام”، الممول من الحكومة الإيطالية، والمنفذ عبر منظمة “مبادرة التنمية” وبشراكة تقنية مع المجموعة الوطنية للروابط الرعوية. غير أن جوهر المشروع لا يقتصر على التمويل، بل يقوم على فكرة أعمق: تحويل النشاط التقليدي إلى سلسلة قيمة قادرة على خلق دخل مستدام وتعزيز صمود المجتمعات الهشة.

ومع تزايد تنظيم هذا النشاط، لم يعد السمك يُستهلك أو يُباع بشكل عشوائي، بل أصبح جزءًا من نظام اقتصادي دقيق. فجزء منه يُوجَّه للاستهلاك الفوري داخل الأسر، وجزء يُباع لتوفير السيولة اليومية، بينما يُحوَّل جزء ثالث إلى منتجات مجففة أو مدخنة تُخزّن وتُستخدم عندما يشحّ الغذاء في المواسم الصعبة، خصوصًا خلال فترات ارتفاع الإنتاج التي قد تهدد بفقدان الكميات إذا لم يتم حفظها.

هذا التنظيم الإنتاجي ترافق مع جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التكوين والتأهيل. فقد استفادت النساء من برامج في محو الأمية والتسيير الإداري والمالي، ما ساعد على تحويل التعاونيات من مبادرات بسيطة إلى هياكل أكثر استقرارًا وقدرة على الاستمرار.

تمكين النساء

مع مرور الوقت، أصبح المشروع يتجاوز هدفه الاقتصادي المباشر نحو أثر اجتماعي أوسع. فوفق القائمين عليه، فإن الغاية الأساسية هي محاربة سوء التغذية وتعزيز التنمية المحلية، عبر تمكين النساء من امتلاك أدوات الإنتاج والإدارة في بيئتهن المحلية.

في المقابل، تؤكد المستفيدات أن التحول الحقيقي لا يُقاس فقط بالدخل، بل بالاستقلالية التي اكتسبنها. إذ لم يعد دورهن محصورًا داخل الأسرة فقط، بل أصبحن يساهمن في المصاريف اليومية، وتكاليف تعليم الأطفال، وفي إدارة جزء من الاقتصاد الأسري.

وهكذا، تتداخل خيوط القصة في ضفة السنغال بين مورد طبيعي بسيط ومشروع تنموي منظم، لتنتج واقعًا جديدًا تقوده النساء، حيث يصبح السمك أكثر من غذاء… بل وسيلة لبناء دخل، ومواجهة الفقر، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وبيئته.
رابط المقال:

https://afrique.le360.ma/societe/mauritanie-de-la-pirogue-a-lassiette-ce...