
في تحرّك دبلوماسي يعكس رغبة نواكشوط في إعادة تنشيط علاقاتها داخل المنطقة، يقوم وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي بجولة تشمل عدداً من الدول المنبثقة عن مجموعة دول الساحل الخمس السابقة، وسط أجواء إقليمية تتسم بالتوتر، خصوصاً بين موريتانيا ومالي.
وفي أحدث محطات هذه الجولة، استقبل الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو، يوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 في نجامينا، الوزير الموريتاني الذي حمل معه رسالة سياسية وأمنية من نواكشوط. ووفق الرئاسة التشادية، فقد طلب الوزير دعم تشاد لترشيح موريتانيا لمنصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، في خطوة تعكس أيضاً بُعداً دبلوماسياً يتجاوز الملفات الأمنية.
واقع ميداني "معقد"
تأتي هذه الزيارة ضمن جولة إقليمية تشمل أربع دول كانت أعضاء سابقين في مجموعة دول الساحل الخمس، في وقت تسعى فيه موريتانيا إلى تعزيز التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف مع هذه العواصم، في ظل تعثر مشروع المجموعة وتفككها، أو على الأقل غيابها كإطار فعّال كما كان في السابق.
لكن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن المناخ المتوتر بين نواكشوط وباماكو. فقد كانت مالي المحطة الأولى في الجولة، في إشارة إلى حساسية العلاقات بين البلدين اللذين يتقاسمان حدوداً طويلة تمتد لأكثر من 2200 كيلومتر، لكنها شهدت في الأشهر الأخيرة توتراً متزايداً.
وخلال لقائه مع الرئيس الانتقالي المالي أسيمي غويتا، نقل وزير الدفاع الموريتاني تحيات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤكداً عمق الروابط التاريخية بين البلدين، القائمة على “الصداقة والأخوة والتضامن”، رغم التوترات التي تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية.
غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي الهادئ لا يخفي واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً، حيث تتكرر الحوادث على الحدود، ويتهم بعض أنصار السلطة في مالي موريتانيا بأنها تشكل “ممرّاً خلفياً” لبعض الجماعات المسلحة، وهو ما تنفيه نواكشوط بشكل غير مباشر عبر مواقفها الرسمية. كما شهدت الفترة الأخيرة احتجاجات في باماكو استهدفت موريتانيا، ما دفعها إلى الرد دبلوماسياً، في ظل امتداد التوتر إلى الفضاء الرقمي أيضاً.
في هذا السياق، دعا عدد من الخبراء إلى التهدئة. ويرى رئيس مركز “الاستراتيجيات من أجل أمن الساحل والصحراء” أحمد ولد عبد الله أن من الضروري تجاوز الخلافات، مؤكداً أن موريتانيا ظلت دائماً داعمة لمنطق حسن الجوار، خاصة مع مالي التي تعيش أزمة أمنية معقدة. ويعتبر أن رسائل الوزير تعكس رغبة سياسية في إعادة بناء الثقة.
التحدي الكبير
من جانبه، يضع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ملف الأمن في الساحل في صدارة أولوياته، باعتباره التحدي الأكبر أمام استقرار المنطقة. وفي نجامينا، شدد وزير دفاعه على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين دول المنطقة من أجل مواجهة التهديدات المشتركة وتعزيز الاستقرار.
وتشير أجندة الوزير الموريتاني إلى أنه سيواصل جولته نحو بوركينا فاسو والنيجر، وهما أيضاً من الدول التي غادرت مجموعة الساحل الخمس وانضمت إلى “تحالف دول الساحل” (AES)، الذي تأسس كإطار أمني وسياسي جديد في المنطقة.
في قراءة لهذه التحركات، يرى الباحث كاغ سانوسي أن ما يحدث يمثل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين هذه الدول، عبر تجاوز الخلافات السياسية والتركيز على التهديد المشترك المتمثل في الإرهاب، إضافة إلى التحديات التنموية التي تواجه الجميع.
أما على مستوى التحولات الإقليمية، فقد أدى انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو بين 2022 و2023 إلى إعادة رسم خريطة التعاون الأمني في الساحل، مع تأسيس “تحالف دول الساحل”. وفي المقابل، اعترفت موريتانيا وتشاد بتراجع دور مجموعة الساحل الخمس، التي كانت تعاني أصلاً من ضعف التمويل والاعتماد الكبير على الدعم الخارجي، إضافة إلى محدودية القدرات الاستخباراتية والجوية.
وهكذا، تبدو جولة الوزير الموريتاني أكثر من مجرد زيارة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة بناء شبكة علاقات إقليمية جديدة في منطقة لا تزال تبحث عن توازنها بين التحالفات القديمة والتكتلات الناشئة، وسط تحديات أمنية لا تزال تلقي بثقلها على الجميع.
رابط المقال:
https://www.dw.com/fr/ministre-mauritanien-defense-tournee-aupres-ex-pay...












