تحصين الشباب.. المدخل الأعمق لاستكمال المقاربة الموريتانية في التصدي للفكر المتطرف الدكتور/ عبد الرحمن اجَّاه أبُّوه

لم يعد الفكر المتطرف في عالمنا المعاصر انحرافا فرديا معزولا، ولا نزعة نفسية طارئة، وإنما أضحى ظاهرة مركبة تتشابك فيها عوامل الفهم الديني المختل، والاضطراب الفكري، والاختلالات الاجتماعية، والاستثمار الخبيث لحماسة الشباب وتدينهم الفطري، مع ما يتيحه الفضاء الرقمي والإعلامي من إمكانات هائلة لنشر الشبهات، وترويج خطاب الغلو، وتزيين مسالك العنف والقطيعة مع المجتمع والدولة.

ومن هنا فإن التصدي لهذا الفكر لا يمكن أن يظل رهين المعالجة الأمنية وحدها، ولا أن يختزل في رد الفعل بعد وقوع الاستقطاب والانحراف، بل لا بد أن يندرج ضمن مقاربة وطنية شاملة، قوامها الجمع بين الحزم في مواجهة الخطر، والحكمة في تفكيك منطلقاته، والسبق في الوقاية من أسبابه ومداخله.

وفي هذا السياق، تبرز المقاربة الموريتانية بوصفها تجربة جديرة بالتأمل؛ إذ لم تقف عند حدود الردع أو الاحتواء الأمني، بل استندت – في جانب مهم منها – إلى رصيد البلد العلمي والشرعي، وإلى مكانة العلماء، وإلى تقاليد المحظرة الشنقيطية التي عرفت تاريخيا بالجمع بين الفقه الراسخ، والتزكية السلوكية، والاعتدال العقدي، والانضباط المذهبي، والتربية على احترام الجماعة ونبذ الغلو.

وقد تجلى هذا البعد العلمي الإصلاحي في ما اضطلع به العلماء والدعاة من محاورات علمية ومراجعات فكرية مع بعض ضحايا الفكر المتطرف داخل السجون، حيث تمكنوا – بقوة الحجة الشرعية، والبيان الهادئ، وسعة العلم، وحسن الفهم للنصوص والمقاصد – من إقناع عدد من ضحايا هذا الفكر بالرجوع عنه، والتوبة من مسالكه، والتبرؤ من تأويلاته الفاسدة ومقولاته المنحرفة.

ولا ريب أن هذا النجاح يمثل وجها مضيئا من وجوه المقاربة الوطنية؛ لأنه يؤكد أن كثيرا من ضحايا التطرف إنما زلوا بسبب التلبيس وسوء الفهم وفساد التأويل، فإذا وجدوا من يحاورهم بعلم، ويكشف لهم مواقع الخلل في استدلالاتهم، ويردهم إلى أصول الشريعة ومقاصدها، أمكن إنقاذهم من أوهام التكفير والعنف والقطيعة مع المجتمع.

كما يكشف هذا النجاح عن أهمية السلطة العلمية الرشيدة في مواجهة السلطة الزائفة للخطاب المتشدد، ويثبت أن العلماء حين ينزلون إلى ميدان المعالجة الفكرية، ويتقدمون الصفوف بالحجة والبصيرة، يكون أثرهم بالغا في إعادة بناء الوعي، وتصحيح التصورات، وإعادة دمج المنحرفين في المجال الديني والاجتماعي السليم.

غير أن الإنصاف العلمي يقتضي، مع الإشادة بهذا المسار العلاجي الناجح، أن نقرر بوضوح أن هذه المعالجة تظل علاجا بعد وقوع الداء، لا وقاية قبل وقوعه؛ ومعنى ذلك أن نجاح الحوار مع بعض المتأثرين بالفكر المتطرف داخل السجون، على أهميته، لا ينبغي أن يصرفنا عن الحقيقة الكبرى في باب السياسات العامة والتدبير الاستراتيجي، وهي أن الوقاية خير من العلاج، وأن تحصين الشباب من الوقوع في شباك الغلو والتطرف أيسر كلفة، وأعظم أثرا، وأبقى ثمرة من انتظار الانحراف ثم السعي إلى إصلاحه بعد أن يكون قد استقر في النفس أو ترجم نفسه إلى سلوك وممارسة.

ذلك أن الفكر المتطرف لا يهبط على الشباب دفعة واحدة، وإنما يتسلل إليهم عبر منافذ متعددة: عبر الجهل بأصول الدين ومقاصده، وعبر القراءة المجتزأة للنصوص، وعبر الافتتان بالشعارات الحماسية، وعبر الإحساس بالمظلومية دون امتلاك أدوات الفهم والتحليل، وعبر الفراغ الثقافي الذي يجعل بعض الناشئة لقمة سائغة لخطابات تبسيطية تقدم نفسها على أنها التعبير الأصدق عن الدين والغيرة عليه.

ولهذا فإن التصدي الحقيقي لهذا الفكر يبدأ قبل السجن وقبل الجريمة وقبل الاستقطاب، ويبدأ تحديدا من بناء الوعي السليم، وصناعة المناعة الفكرية، وتكوين الشخصية الدينية والوطنية المتوازنة.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى أن تشفع المقاربة الموريتانية في التصدي للفكر المتطرف بتحصين الشباب من لوثاته، عبر تضمين التصدي له في المناهج التعليمية، وتعزيز البرامج الثقافية والإعلامية، وتكثيف الحملات التوعوية الهادفة.

فالمؤسسة التعليمية ليست فضاء لتلقين المعارف المجردة فحسب، وإنما هي – في جوهر رسالتها – مصنع للوعي، ومجال لتشكيل التصورات، وبناء المواقف، وترسيخ منظومة القيم.

وإذا كانت الجماعات المتطرفة تراهن على اختطاف وعي الشباب، فإن أولى مؤسسات المواجهة وأحقها بالتعبئة هي المدرسة والمعهد والجامعة.

ولذلك فإن من الضروري أن تتضمن المناهج التعليمية – في مختلف مراحلها – مواد ومضامين صريحة ومدروسة تعالج قضايا الغلو والتطرف من منظور علمي وتربوي متكامل.

ولا يراد بذلك مجرد إدراج شعارات عامة عن التسامح والاعتدال، بل المطلوب بناء وحدات معرفية وتربوية تعرف الطلاب بمفهوم الوسطية في الإسلام، وبفقه الاختلاف وآدابه، وبحدود الاجتهاد وضوابط الفتوى، وبمقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وبخطورة التسرع في التكفير والتبديع والتفسيق، وبالتمييز بين الجهاد المشروع والفوضى العنيفة، وبين الغيرة على الدين والعدوان على الخلق، وبين النص الشرعي وفهمه المنحرف. كما ينبغي أن تقدم هذه المضامين بطريقة تربي على النظر النقدي، وتحصن المتعلم من التلقي الساذج لكل ما يعرض عليه في المنابر الرقمية ومنصات التواصل.

إن المناهج حين تبنى على هذا النحو لا تنتج مجرد طالب يحفظ المعلومات، بل تنتج شابا يمتلك أدوات الفهم والتمييز، ويستطيع أن يكتشف بنفسه مواطن الخلل في الخطاب المتشدد، وأن يرد الشبهة إلى أصلها، وأن يفهم النصوص في ضوء كليات الشرع ومقاصده وسياقاتها، لا في ضوء القراءة المبتسرة التي تقوم على اقتطاع النص من محله، وعزله عن شروطه، وإهمال تفسير العلماء له، ثم تحميله ما لا يحتمل من دلالات العنف والقطيعة.

وإذا كانت المدرسة تبني العقل، فإن الثقافة والإعلام يشاركان بقوة في تشكيل الوجدان العام وصناعة المناخ الذهني الذي يتحرك فيه الشباب؛ ومن ثم فإن البرامج الثقافية والإعلامية يجب أن تتحول إلى شريك أساسي في معركة الوقاية من التطرف، لا إلى مجرد فضاء للترفيه أو التغطية العابرة.

المطلوب إنتاج خطاب ثقافي وإعلامي ذكي، رصين، مقنع، يخاطب الشباب بلغتهم، ويجيب عن أسئلتهم الحقيقية، ويفكك البنية النفسية والشرعية للفكر المتطرف، ويقدم البديل المعرفي والقيمي بصورة جذابة وقريبة من الناس.

إننا بحاجة إلى برامج حوارية، وأفلام وثائقية، ومنصات رقمية، ومحتوى شبابي تفاعلي، يبرز سماحة الإسلام، ويصحح المفاهيم المغلوطة، ويكشف تناقضات خطاب الغلو، ويشعر الشاب أن الاعتدال ليس ضعفا، وأن الانتماء للوطن ليس مناقضا للانتماء للأمة، وأن التدين الصحيح لا يخاصم العمران ولا يخاصم السلم الاجتماعي ولا يخاصم الدولة.

كما أن الحملات التوعوية ينبغي ألا تكون مناسبات موسمية أو ردود أفعال مرتبطة بحدث طارئ، بل يلزم أن تبنى باعتبارها عملا مؤسسيا مستمرا، يشارك فيه العلماء، والمربون، والإعلاميون، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والفاعلون الشبابيون.

وهذه الحملات يجب أن تنزل إلى الفضاءات التي يتشكل فيها وعي الشباب فعلا: المدارس، والجامعات، والمساجد، والأندية الثقافية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الأحياء والهامش الاجتماعي الذي قد يكون أكثر عرضة للاستقطاب.

والمقصود بالتوعية هنا ليس التخويف المجرد، بل التبصير: تبصير الشباب بحقيقة الفكر المتطرف، وآلياته في الاستدراج، وأساليبه في التلاعب بالمفاهيم، ومآلاته الكارثية على الدين والوطن والأسرة ومستقبل الفرد نفسه.

ولعل من أهم ما ينبغي الانتباه إليه في هذا المقام أن تحصين الشباب من الفكر المتطرف ليس مهمة وزارة بعينها، ولا مؤسسة واحدة، بل هو مسؤولية وطنية جامعة. فالأسرة هي الحصن الأول في بناء التوازن النفسي والقيمي، والمدرسة تصقل هذا البناء بالمعرفة والمنهج، والجامعة تعمقه بالتحليل والنقاش، والمسجد يهذبه بالهداية الرشيدة، والإعلام يوسع أثره في الفضاء العام، والدولة تنسق هذه الجهود ضمن رؤية موحدة.

وكل خلل في هذا التكامل يفتح ثغرة يمكن أن يتسلل منها خطاب الغلو.

ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس على إنتاج خطاب مضاد للتطرف فقط، بل على بناء بيئة فكرية واجتماعية وثقافية تجعل التطرف غريبا، شاذا، غير قابل للتجذر ولا للانتشار.

إن موريتانيا تملك في هذا الباب رصيدا ثمينا: تراثا علميا شنقيطيا عريقا، وعلماء ذوي مصداقية، ومجتمعا ما يزال يحتفظ بقدر معتبر من الاحترام لمشايخ العلم الشرعي، وتجربة ناجحة في الحوار والمراجعات داخل السجون.

غير أن المحافظة على هذا الرصيد، وتحويله إلى سياسة وقائية مستدامة، يقتضي الانتقال من منطق المعالجة بعد الاستقطاب إلى منطق التحصين قبل الاستقطاب؛ أي من الاكتفاء بإصلاح من وقع في الشرك، إلى العمل على ألا يقع فيه الشباب أصلا.

وإذا أردنا أن نلخص جوهر هذه الرؤية في عبارة جامعة، يمكن القول: إن نجاح العلماء في إقناع بعض ضحايا الفكر المتطرف بالتوبة داخل السجون يمثل مكسبا وطنيا وعلميا مشكورا، لكنه ليس نهاية المطاف؛ بل يجب أن يستثمر بوصفه دليلا إضافيا على ضرورة توسيع المعركة إلى ميدان الوقاية.

فكما نجح العلماء في تفكيك الانحراف بعد وقوعه، يجب أن تتجه جهود الدولة والمؤسسات والمجتمع إلى منع تشكله من الأصل، عبر التعليم الرشيد، والثقافة الواعية، والإعلام المسؤول، والتنشئة الدينية السليمة، والرعاية الفكرية للشباب.

إن الأمم الحكيمة لا تنتظر أبناءها حتى يقعوا في مهاوي الغلو ثم تبحث لهم عن مخارج، بل تبني فيهم منذ البداية حصانة معرفية ووجدانية وأخلاقية تجعلهم أقدر على التمييز بين الحق والباطل، وبين الدين والتدين الزائف، وبين النص وتأويله المنحرف.

ومن هنا فإن المقاربة الموريتانية في التصدي للفكر المتطرف ستكون أكثر اكتمالا وفاعلية كلما جمعت بين المعالجة العلمية لمن انحرفوا بالفعل، وبين الوقاية التربوية والثقافية لمن هم في دائرة الاستهداف.

وتلك هي المقاربة الرشيدة التي تلتقي فيها الحكمة الشرعية مع مقتضيات السياسة العامة؛ نعالج من أصيب، لكننا قبل ذلك نحصن من لم يصب؛ لأن الوقاية خير من العلاج، ولأن حماية العقول قبل انحرافها أرسخ أثرا، وأقل كلفة، وأعظم نفعا للدين والوطن والإنسان.