
في خطوة تعكس رغبة متزايدة في تهدئة الأوضاع الإقليمية، برز تحرك دبلوماسي مهم من جانب دول الساحل نحو موريتانيا والعكس أيضا من موريتانيا نحو دول تحالف الساحل، حيث أرسلت نواكشوط مبعوثًا رسميًا إلى العاصمة المالية باماكو حاملاً رسائل من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وتهدف هذه المبادرة إلى إعادة تنشيط الحوار بين موريتانيا وكل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بعد فترة من التوترات التي أثرت على العلاقات الثنائية والإقليمية.
ويأتي هذا التحرك في سياق إدراك موريتاني متزايد لأهمية الاستقرار في منطقة الساحل، باعتباره عنصرًا حاسمًا لضمان أمن الحدود ومواجهة التحديات الأمنية المشتركة، خاصة مع تنامي نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما تسعى نواكشوط إلى تعزيز التنسيق في ما يتعلق بالهجرة غير النظامية والتجارة وحركة السكان، في إطار مقاربة تقوم على الحوار بدل القطيعة.
وفي موازاة ذلك، تشهد منطقة الساحل الإفريقي تصاعدًا في العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، خصوصًا في مالي، حيث أعلنت القوات المسلحة عن تنفيذ عملية نوعية أسفرت عن تحييد أحد أبرز قادة الجماعات المسلحة في منطقة غرب دجيني وسط البلاد. ووفق السلطات العسكرية، فقد تم رصد الهدف باستخدام أنظمة مراقبة متقدمة قبل استهدافه بطائرة مسيّرة، مشيرة إلى أن القيادي كان يلعب دورًا محوريًا في تنسيق تحركات الجماعات المسلحة في مناطق وسط وجنوب مالي، وصولًا إلى حدود بوركينا فاسو.
كوت ديفوار على "الخط"
على نطاق أوسع، تتزايد المخاوف من توسع رقعة عدم الاستقرار في غرب إفريقيا، حيث لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في دول الساحل فقط، بل باتت تمتد نحو الدول الساحلية وحتى شمال نيجيريا. ويرى خبراء في الشأن الإفريقي أن الجماعات المسلحة أصبحت أكثر قدرة على التحرك عبر الحدود، مستفيدة من ضعف التنسيق الأمني في بعض المناطق، ما يفرض ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة هذا التحدي المتصاعد.
وفي الجانب الاقتصادي، تعمل دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر) على تعزيز التكامل فيما بينها من خلال مشاريع تهدف إلى دعم الصناعة والتجارة وتسهيل حركة السلع، في محاولة لتقوية الروابط الاقتصادية الداخلية والتخفيف من آثار الأزمة الأمنية على الاقتصاد المحلي، رغم التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والتمويل.
كما أبدت دول مجاورة، من بينها كوت ديفوار، استعدادها لتعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات مع دول الساحل، في إطار إدراك متزايد بأن التهديدات الإرهابية لم تعد محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل أصبحت تشكل خطرًا إقليميًا مشتركًا.
تحديات متزايدة
في سياق موازٍ، يواجه السكان في مالي تحديات معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل إجراءات أمنية تهدف إلى الحد من تحركات الجماعات المسلحة، لكنها انعكست بشكل مباشر على حركة التجارة والنقل، ما أدى إلى ارتفاع أسعار بعض السلع ووسائل النقل الأساسية.
كما أعلنت شركة الخطوط الجوية الفرنسية "إير فرانس" وقف رحلاتها نهائيًا إلى مالي، في خطوة تعكس استمرار التوتر في العلاقات مع بعض الشركاء الدوليين، وتزيد من عزلة البلاد الجوية، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل إقليمية لتعويض هذا الفراغ في قطاع النقل الجوي.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى مرحلة دقيقة تمر بها منطقة الساحل، حيث تتقاطع التحولات الأمنية مع إعادة تشكيل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، في ظل مساعٍ متزايدة لإعادة بناء التوازنات الإقليمية وتعزيز الاستقرار.
رابط المقال:
https://timbuktu-institute.org/index.php/toutes-l-actualites/item/1642-l...












