
هذا سؤال يجب أن يطرح بعد عقد من الانطلاقة والأنشطة المستمرة، فالأنشطة في حدّ ذاتها ليست هدفا ولا غاية، وإنما هي وسيلة لتحقيق هدف ما أو غاية ما، ولذا فإن تقييم عمل الحملة بعد اكتمال عقدها الأول لن يكون باستعراض ما راكمته من أنشطة، وهي بالمناسبة أنشطة كثيرة ومتنوعة، وإنما سيكون بقياس أثر تلك الأنشطة، وما أحدثت من تغيير على أرض الواقع، وسنقتصر في هذه الحلقة على الإنجازات التي نفذتها الحكومة استجابة للمطالب والعرائض التي تقدمت بها الحملة.
وكما قلنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وهو ما ثبتناه في عنوانها، فإن الحملة لم تمتلك منذ تأسيسها مقرا، وكانت تعمل في أغلب الأحيان في ظروف صعبة جدا، معتمدة في تمويل أنشطتها على تبرعات أعضائها، وأغلب أعضائها هم شباب عاطلون عن العمل، ورغم كل ذلك فقد استطاعت أن تحقق التالي:
1 ـ نجاحها في أن تجعل من حوادث السير وما تخلف من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات قضية رأي عام وطني، وكان هذا هو هدفها الأبرز عند انطلاقها في يوم 7 أغسطس 2016، وقد نجحت إلى حد كبير في تحقيق هذا الهدف؛
2 ـ إعداد عريضة مطلبية من 7 مطالب، وتسليمها في يوم 28 مايو 2019 لفخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني، وكان حينها مترشحا للرئاسة، وقد تبنى الرئيس كل مطالب العريضة، وتعهد بتنفيذها في حال انتخابه رئيسا للجمهورية؛
3 ـ مناقشة ملف السلامة الطرقية في أول اجتماع مجلس وزراء ينعقد تحت رئاسة محمد ولد الشيخ الغزواني بعد انتخابه رئيسا في العام 2019، هذا إذا ما استثنينا اجتماع التعارف الذي سبق ذلك الاجتماع، والذي خُصّص حصرا للتعارف، ولم يناقش فيه أي ملف.
فأن يكون ملف السلامة الطرقية، لا أي ملف آخر، هو أول ملف يناقشه مجلس الوزراء بعد تنصيب رئيس الجمهورية، فذلك مما يؤكد أن التزامات الرئيس لوفد الحملة الذي سلمه العريضة المطلبية، لم تكن مجرد التزامات انتخابية؛
4 ـ نشر أول ثلاث سيارات إسعاف خاصة بضحايا حوادث السير على المقطع (نواكشوط ـ ألاك) بعد 130 يوما فقط من تنصيب رئيس الجمهورية، وكان نشر سيارات الإسعاف على الطرق من بين أهم مطالبنا في العريضة، وقبل هذا التاريخ لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير، على كافة أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وكان المصابون ينقلون في الغالب في أول سيارة يقبل صاحبها بنقلهم، وكانوا في بعض الأحيان ينقلون كما تنقل البضائع، مما كان يزيد من تفاقم إصاباتهم، بل ويتسبب في وفاة بعضهم.
لقد تم نشر سيارات الإسعاف الثلاث كخطوة أولى من مشروع كبير، سيعرف فيما بعد بالعون الطبي الاستعجالي، وجرت عملية النشر ضمن سلسلة من الأنشطة على طريق الأمل أطلقها الوزير الأول الأسبق إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، ودعيت لها الحملة بشكل رسمي، وقد ثمَّن الوزير الأول ـ أمام الوفد المرافق وأمام الإعلام ـ جهود الحملة، مؤكدا أن نشر سيارات الإسعاف على الطرق كان من مطالبها، ومتعهدا في الوقت نفسه بأن الحملة ستبقى شريكا للحكومة في كل الأنشطة ذات الصلة بالسلامة الطرقية.
إننا في الحملة فخورون بما تحقق في العهد الحالي على مستوى منظومة التدخل الطبي الاستعجالي، ولكي تكتمل هذه المنظومة، فستبقى هناك ضرورة لاستحداث نقاط تدخل ثابتة أو متحركة، مزودة بآليات ثقيلة لإزاحة الشاحنات عند سقوطها على الطرق مما يمكن من فتح الطرق بشكل سريع، أو عند سقوطها على سيارات صغيرة، مما يمكن من الوصول إلى الضحايا لإنقاذهم قبل فوات الأوان.
هذا فضلا عن ضرورة اقتناء مروحية إسعاف طبي، للتدخل السريع في الحوادث التي تقع في أماكن بعيدة، أو تلك التي تؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.
5 ـ من المطالب التي تضمنتها العريضة: ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وتوفير نظام صيانة مستدام، مع تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت). لقد تم ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وهذا إنجاز كبير لا يدرك أهميته إلا من اعتاد سلوك هذا الطريق خلال العقود الماضية، فخلال تلك العقود كان كلما رُمّم مقطع من هذا الطريق الحيوي، تهالكت مقاطع أخرى، وهكذا.. الجديد في هذا العهد هو أن عملية الترميم هذه المرة جاءت شاملة للطريق بأكمله.
ونأمل في الحملة أن يتم تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت) في أسرع وقت ممكن، وعندها يكون هذا المطلب قد تحقق بشكل كامل.
ولن أختم الحديث عن مطالب الحملة التي تحققت، دون الحديث عن مطلب مهم، تمت الاستجابة له، ولكن في وقت متأخر جدا، ويتعلق الأمر بإلزام حافلات النقل العمومي باقتناء مثبتات السرعة، وكانت وزارة التجهيز والنقل قد وجهت للحملة رسالة بتاريخ 3 يناير 2020 ردت فيها على رسالة سابقة للحملة، وتعهدت بموجبها أنها ستلزم حافلات النقل باقتناء مثبتات السرعة.
لم يتم البدء في تنفيذ هذا التعهد إلا بعد مرور ست سنوات على الالتزام به، وفي وقت لم تعد فيه مثبتات السرعة هي الخيار الأفضل لإجبار حافلات النقل العمومي على سرعة محددة، فالعالم قد عرف خلال السنوات الأخيرة تطورا هائلا في مراقبة السرعة عن طريق الرادارات والشرائح الذكية، ولذا فإن أي مراقبة للسرعة دون الاعتماد على التقنيات الجديدة ستكون إضاعة للوقت والجهد والمال.
ورغم أهمية ما تحقق من مطالب، ونحن فخورون بما تحقق، فما تزال الحملة ترى أن بلوغ مستوى متقدم من السلامة الطرقية، يتطلب الاستجابة لمطلبين استراتيجيين رفعتهما الحملة بعد تسليم عريضتها المطلبية:
المطلب الأول: تبني الحكومة لنداء جوك للسلامة الطرقية الذي أعدته الحملة بعد سنوات من العمل الميداني، واعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا؛
المطلب الثاني: اعتماد تطبيق "سلامتي" المعد أيضا من طرف الحملة، والذي يمكن أن يشكل الخطوة الأولى في بناء منظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية، تعتمد على الشرائح الذكية، وخرائط تحديد المواقع، وتقنيات الاتصال، وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وتبقى كلمة أخيرة: إن النتائج التي تحققت تثبت أن الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني هي شراكة في غاية الأهمية، ولو استمرت الحكومة في التعامل مع حملة معا للحد من حوادث السير كشريك أساسي من المجتمع المدني، كما حصل في السنة الأولى من المأمورية الأولى، لكان حجم الإنجازات في مجال السلامة الطرقية أكبر وأعمق أثرا.
#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع
معا_للحد_من_حوادث_السير












