شكل توقيع اتفاقيات إنشاء وتمويل شركة مناجم موريتانيا (SOMIMA) في 22 مايو/أيار 1968 محطة تاريخية مفصلية في مسار الاقتصاد الموريتاني، إذ مثّل الانتقال الفعلي من مرحلة الدراسات والاستكشافات الجيولوجية إلى مرحلة الاستغلال الصناعي لمنجم قلب مغرين في أكجوجت، ولم يكن هذا المشروع استثمارًا في استخراج النحاس فحسب، بل كان مشروعًا تنمويًا متكاملًا شمل تطوير البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، وبناء مدينة منجمية حديثة، وإرساء الأسس التي سيقوم عليها قطاع التعدين الموريتاني خلال العقود اللاحقة.
أولا: من شركة ميكيما إلى مشروع سوميما.. تراكم الدراسات وبناء قاعدة الاستغلال الصناعي
تعود الجذور الأولى لاستغلال نحاس أكجوجت إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، حين أُنشئت سنة 1953 شركة مناجم النحاس الموريتانية (MICUMA - Société des Mines de Cuivre de Mauritanie)، باعتبارها أول شركة متخصصة في استغلال النحاس بالمنطقة على أسس صناعية، و بلغ رأسمال الشركة آنذاك 300 مليون فرنك إفريقي (CFA)، وتوزعت ملكيتها بالتساوي بين القطاع العام الفرنسي بنسبة 50%، ممثلا في المكتب المنجمي لفرنسا فيما وراء البحار والإدارة الاستعمارية، وبين القطاع الخاص بنسبة 50%، الذي ضم عددا من المؤسسات المالية والصناعية الفرنسية الكبرى، من بينها بنك باريس والبلدان المنخفضة، وبنك الهند الصينية، وشركة بينيارويا، وشركة شنايدر وغيرها.
ومنذ تأسيسها، شرعت شركة MICUMA في تنفيذ برنامج واسع للاستكشاف والتنقيب في منجم قلب مغرين بالقرب من أكجوجت، وأنشأت سنة 1954 مصنعا تجريبيا لمعالجة خام النحاس بطاقة إنتاجية بلغت 100 طن يوميا، إضافة إلى محطة كهربائية، وورش للصيانة، ومختبر للتحاليل، ومنشآت إدارية لخدمة عمليات البحث، كما أنجزت الشركة أكثر من 15 ألف متر من أعمال الحفر الاستكشافي، ما سمح بتكوين قاعدة جيولوجية دقيقة حول طبيعة الرواسب المعدنية وخصائصها.
ورغم أن شركة مناجم النحاس الموريتانية MICUMA لم تصل إلى مرحلة الإنتاج التجاري واسع النطاق، فإنها أسست للمعرفة العلمية والتقنية الضرورية لاستغلال المنجم، وأسهمت نتائج دراساتها في تحديد الاحتياطات المعدنية ووضع الأسس التي اعتمدت عليها شركة سوميما لاحقا، وبذلك مثلت شركة مناجم النحاس الموريتانية MICUMA مرحلة التمهيد العلمي والتقني، بينما جاءت شركة سوميما سنة 1968 لتحول تلك الدراسات إلى استغلال صناعي فعلي، وتجعل من أكجوجت أول مركز رئيسي لإنتاج النحاس على أسس صناعية في موريتانيا.
ثانيا: اتفاقيات 22 مايو 1968.. ميلاد شراكة دولية كبرى في التعدين الموريتاني
في 22 مايو/أيار 1968 شهدت العاصمة نواكشوط توقيع الاتفاقيات النهائية المتعلقة بتمويل وإنجاز مشروع استغلال مناجم النحاس في أكجوجت، في حدث اعتبر نقطة تحول كبرى في تاريخ الاقتصاد الوطني، وجرت مراسم التوقيع بحضور رئيس الجمهورية الأستاذ المختار ولد داداه، ورئيس شركة مناجم موريتانيا SOMIMA السيد محمد با، إلى جانب مارتن م. روزن النائب التنفيذي لرئيس مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وإيف لو بورتز نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي، و د. ويلسون المدير العام لشركة Charter Consolidated، إضافة إلى ممثلي المؤسسات الفرنسية والإيطالية والسويسرية المشاركة في المشروع.
وكان هذا الاتفاق تتويجا لعقود من الدراسات والأبحاث الجيولوجية والتقنية التي هدفت إلى إيجاد حل اقتصادي لاستغلال أحد أهم مناجم النحاس في غرب إفريقيا، وأعلنت مؤسسة التمويل الدولية، التابعة لمجموعة البنك الدولي، في بيانها الصادر في اليوم نفسه، أن التكلفة الإجمالية للمشروع بلغت حوالي 60 مليون دولار أمريكي، وهو مبلغ ضخم بمقاييس تلك الفترة، جعل شركة سوميما ثاني أكبر مشروع تعديني في موريتانيا بعد مشروع استغلال خامات الحديد.
وقامت شركة مناجم موريتانيا (SOMIMA) على ائتلاف دولي واسع قادته شركة Charter Consolidated Limited البريطانية، بمشاركة أربع مؤسسات فرنسية رئيسية هي:
• الشركة المنجمية والمعدنية لبينيارويا.
• مكتب البحوث الجيولوجية والتعدينية.
• بنك باريس والأراضي المنخفضة.
• الشركة المالية لما وراء البحار (COFIMER).
و لعبت مؤسسة التمويل الدولية دورا محوريا في تمويل المشروع، حيث قدمت قرضا بقيمة 20 مليون دولار أمريكي، وهو أكبر تمويل تمنحه المؤسسة منذ تأسيسها آنذاك، متجاوزا أكبر تمويل سابق لها والبالغ 12 مليون دولار لمشروع إنتاج الكهرباء في الفلبين سنة 1966، كما ساهم بنك الاستثمار الأوروبي بقرض طويل الأجل قيمته 11 مليون دولار، إضافة إلى مساهمة الحكومة الموريتانية في رأس مال الشركة، ومشاركة عدد من البنوك التجارية الدولية، وفي مقدمتها بنك كريدي ليونيه والبنك الدولي لغرب إفريقيا الذي وفر قروضا قصيرة ومتوسطة الأجل.
وامتدت المشاركة الدولية إلى سويسرا وإيطاليا والكويت، حيث استثمرت شركة Handelsfinanz A.G. السويسرية، التابعة لمجموعة Banca Commerciale Italiana، جزءا كبيرا من التمويل الذي وفرته مؤسسة التمويل الدولية، وأصبحت أكبر مساهم منفرد في مشروع ممول من المؤسسة حتى ذلك التاريخ، كما شاركت الشركة الكويتية للتجارة الخارجية والمقاولات والاستثمار بحصة مهمة من التمويل، مما منح المشروع طابعا دوليا واسعا، وبلغ الغلاف المالي للمشروع حوالي 23 مليون دولار كرأس مال، و36.8 مليون دولار في شكل قروض طويلة ومتوسطة الأجل، وهي موارد مكنت من إنشاء المنجم، وبناء منشآت الإنتاج، وتطوير البنية الأساسية المرتبطة به.
ثالثا: التكنولوجيا والبنية الأساسية.. كيف أصبح استغلال نحاس أكجوجت ممكنًا؟
لم يكن النحاس في أكجوجت اكتشافا جديدا، إذ كانت هذه المناجم معروفة منذ بداية ثلاثينيات القرن العشرين، و خضعت خلال الفترة الاستعمارية لعدة دراسات وأعمال استكشاف، غير أن جميع المحاولات السابقة لاستغلالها تجاريا اصطدمت بعقبة تقنية حالت دون تحويل هذه المناجم إلى مشروع صناعي مربح؛ فقد كانت الطبقات السطحية تحتوي على أكاسيد النحاس التي تتسم بصعوبة معالجتها، وهي خامات لم تكن التقنيات المتاحة آنذاك قادرة على استغلالها بطريقة اقتصادية، في حين كانت خامات كبريتيد النحاس التقليدية، الأكثر ملاءمة للمعالجة الصناعية، توجد في أعماق المنجم.
وظلت هذه المشكلة سببا رئيسيا في تأجيل استغلال المنجم لعقود، إلى أن ظهر التطور التقني الحاسم خلال ستينيات القرن العشرين، عندما حصلت شركة Charter Consolidated على حق استخدام تقنية TORCO (Treatment of Refractory Copper Ores) الخاصة بمعالجة خامات النحاس المقاومة، و طورت هذه التقنية داخل مناجم النحاس في زامبيا بواسطة مجموعة Anglo American Corporation، وأثبتت نجاحها الصناعي في معالجة أكاسيد النحاس بكفاءة عالية، الأمر الذي أعاد تقييم الجدوى الاقتصادية لمنجم أكجوجت، وفتح المجال أمام استغلاله بصورة مربحة وقادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وبالتوازي مع الحلول التقنية، ارتبط المشروع ببرنامج ضخم لتطوير البنية الأساسية، شمل إنشاء طريق معبد يربط مدينة أكجوجت بالعاصمة نواكشوط لتسهيل نقل المعدات والعمال والإنتاج.
كما تضمن المشروع إنشاء شبكة لتزويد المنطقة بالمياه عبر خط أنابيب تجاوز طوله 100 كيلومتر، إضافة إلى بناء مدينة منجمية حديثة تضم مساكن العمال، والمرافق الصحية والتعليمية والإدارية، بما يوفر ظروف الاستقرار للعاملين وأسرهم، وفي الوقت نفسه، شرعت الحكومة الموريتانية في تطوير منشآت الشحن برصيف نواكشوط الورف حتى يصبح قادرا على استقبال السفن المخصصة لتصدير خام النحاس، مع تحسين التجهيزات المرتبطة بالميناء، وكان من المتوقع أن يوفر المشروع للدولة موارد مالية مهمة من الضرائب والرسوم، إضافة إلى حصتها من أرباح الشركة.
رابعا: مسار سوميما بعد 1978 وانتقال المشروع إلى شركة نحاس موريتانيا MCM.. إرث منجمي مستمر
عكست المشاركة الدولية الواسعة في شركة سوميما حجم الثقة في مستقبل التعدين الموريتاني، كما أبرزت المكانة التي بدأت موريتانيا تحتلها على خارطة الاستثمارات المنجمية العالمية بعد سنوات قليلة من الاستقلال، واستمرت الشركة في نشاطها لأكثر من عقد من الزمن، وشهدت مدينة أكجوجت خلال هذه الفترة مرحلة ازدهار اقتصادي واجتماعي كبير ارتبطت بالمنجم وما وفره من فرص عمل وخدمات وبنية أساسية، غير أن نشاط الشركة توقف نهائيا عقب انقلاب 10 يوليو 1978.
وفي سنة 1980 بدأت الشركة العربية الموريتانية للصناعات (SAMIN) نشاطها في الموقع، لكنها لم تستمر طويلًا ولم تحقق نتائج اقتصادية مهمة، وبعد توقف النشاط المنجمي، دخلت أكجوجت منذ منتصف الثمانيات مرحلة ركود اقتصادي حاد بسبب الجفاف وتراجع الخدمات الأساسية، نتيجة اعتماد المدينة الكبير على النشاط الاقتصادي المرتبط بالمنجم، وفي سنة 1997 وقعت الشركة الأسترالية MORAK اتفاقية مع الدولة الموريتانية مكنتها من تصفية أصول شركة سوميما، وكانت الشركة تشغل آنذاك حوالي مائتي عامل، واستمر نشاطها حتى سنة 2002.
وفي سنة 2003 انتقلت الحقوق إلى الشركة الإماراتية وادي الروضة (Wadi Rowda)، حيث اشترى مالكها، المعروف باسم الزبيدي، ما تبقى من ممتلكات سوميما، بما في ذلك منجم قلب مغرين، والمساكن، والخردة المعدنية التي بيعت لاحقا لشريك موريتاني، غير أن الشركة لم تنجح في إعادة تشغيل المصنع أو استغلال المنجم، وفي مرحلة لاحقة، تم التوصل إلى اتفاق لبيع المشروع إلى الشركة الكندية First Quantum Minerals Ltd (FQML)، المملوكة لرجل الأعمال الكندي فيليب باسكال، ذي الأصول الزيمبابوية، والتي أصبحت المالكة لشركة نحاس موريتانيا MCM.
وهكذا بقي مشروع سوميما محطة مركزية في تاريخ الاقتصاد الموريتاني، لأنه جمع












