انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المحكمة الجنائية الدولية: كيف تنتشر ظاهرة التمرد على العدالة الدولية بين الأنظمة الاستبدادية؟

في خطوة لافتة، أعلنت مالي وبوركينا فاسو والنيجر، المنضوية في تحالف دول الساحل، انسحابها رسمياً من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في 24 يونيو الماضي، مكررة بذلك سيناريو سبق أن جربته بوروندي قبل سنوات. وهذا التشابه في السلوك يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية "موضة" تتناقلها الأنظمة الاستبدادية؟ وما الذي يكشفه هذا التوجه عن أزمة ثقة عميقة بين دول الجنوب العالمي والعدالة الدولية؟

بوروندي: البادئ الذي فتح الباب

عندما انسحبت بوروندي من المحكمة عام 2017، كانت في خضم أزمة دبلوماسية حادة مع الغرب، بعد أن وجهت للمحكمة اتهامات بأنها أداة ضغط سياسي تستهدف الدول الفقيرة. ورغم أن الانسحاب البوروندي جاء نتيجة ظروف محلية خاصة، إلا أنه أسس لسابقة خطيرة، أثبتت أن بإمكان النظام أن يتجاوز المحكمة دون أن ينهار، بل ربما استخدم العقوبات الدولية ذريعة لتعزيز خطابه القومي وتأكيد سيادته. وهذا النموذج، كما يرى باحثون، تحول إلى مصدر إلهام لدول الساحل الثلاث، خاصة مع تقارب السياقات السياسية والأمنية المتوترة مع الشركاء الغربيين.

صيغة موحدة للاتهام: "المحكمة أداة للغرب"

ما يلفت الانتباه حقاً هو التطابق شبه الكامل في الخطاب الذي تستخدمه هذه الأنظمة لتبرير انسحابها. فبوروندي اتهمت المحكمة بأنها "أداة ضغط سياسي على الدول الفقيرة"، ودول الساحل الثلاث بدورها نددت بـ"انحياز المحكمة وتسييسها لملف حقوق الإنسان". وهذه الاتهامات ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى قضايا شهيرة مثل مذكرات التوقيف ضد عمر البشير في السودان، ومحاكمة لوران غباغبو في كوت ديفوار، والتي رسخت في أذهان كثير من الأفارقة انطباعاً بأن المحكمة تطارد قادة القارة السمراء بينما تتغاضى عن جرائم القوى الكبرى.

عندما تصبح الانسحابات متتالية... المحكمة تخسر هيبتها

يخشى مراقبون من أن تشكل هذه الانسحابات المتتالية، بدءاً من بوروندي ثم الفلبين وصولاً إلى دول الساحل، منعطفاً خطيراً في مسار العدالة الدولية. فكل انسحاب جديد يجعله سابقوه أكثر "عادية" وأقل كلفة سياسية، وكأن الباب يفتح على مصراعيه أمام مزيد من التمرد على النظام الدولي. وهذا يضع المحكمة أمام معضلة حقيقية: فبينما تواجه اتهامات بـ"الانتقائية" في تطبيق القانون، خاصة في ظل الجدل حول مذكرات التوقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، تجد نفسها أيضاً تخسر تدريجياً قبولها بين الدول، مما يهدد بتحولها إلى مجرد هيئة رمزية تفتقد للفاعلية.

وتقدم تجربة بوروندي ودول الساحل درساً قاسياً مفاده أن شرعية المؤسسات الدولية لا تقوم على نصوصها القانونية وحدها، بل على إيمان الدول بها وثقتها في حيادها. ومع استمرار هذه الانسحابات، والخطاب المتصاعد الذي يصور المحكمة كأداة للنفوذ الغربي، تخاطر المحكمة الجنائية الدولية بأن تجد نفسها، ليس مواجهة برفض علني، بل مهجورة بصمت، وتتآكل سلطتها المعنوية انسحاباً بعد انسحاب، حتى تفقد قدرتها على أن تكون صوتاً للعدالة العالمية.

رابط المقال:
https://theconversation.com/ce-que-les-retraits-du-burkina-faso-du-mali-...