المأمورية الثالثة في موريتانيا: العصا التي يلوح بها الرئيس ولن يستخدمها- موقع الفكر

عاد شبح المأمورية الثالثة ليخيّم على المشهد السياسي الموريتاني، لا بوصفه استحقاقاً دستورياً قائماً، ولا باعتباره قراراً معلناً تتجه إليه السلطة، وإنما باعتباره سؤالاً ثقيلاً يتردد في أروقة السياسة، ويطل بين الحين والآخر من خلف ستائر الحوار الوطني، حتى بدا في بعض اللحظات وكأنه أكبر من المسألة التي نشأ حولها.

فموريتانيا، وهي تقترب تدريجياً من مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، تجد نفسها أمام نقاش يتجاوز شخص الرئيس إلى أعمق من ذلك: نقاش حول التداول السلمي على السلطة، وحدود النص الدستوري، وطبيعة التوافق السياسي، وما إذا كان البلد قد طوى نهائياً صفحة تعديل قواعد المأموريات أم أن هذه الصفحة قابلة، بين حين وآخر، لإعادة الفتح.

ويبدو أن أصل القصة واضح من الناحية الدستورية؛ فالقواعد المعمول بها تحدد مدة المأمورية الرئاسية، وتضع حداً لإعادة الانتخاب. ومن ثم فإن الحديث عن مأمورية ثالثة لا يمكن أن يكون مجرد حديث عابر، لأنه يلامس واحداً من أكثر أبواب الحياة السياسية حساسية، ويستدعي تلقائياً أسئلة الماضي، وذكريات المنطقة، ومخاوف المعارضة، وحسابات السلطة، وحذر الرأي العام.

 

ويجد الرئيس في وضع أصعب وهو يقدر حقيقة ولاء الأغلبية له باعتباره سحابة صيف عابر فهم يهتفون لكل "وال عاش عهدكم المجيد" وسرعان مايفرقهم عنه سوط بعد أن جمعهم به درهم، في العموم.

إن صعوبة حال الرئيس أنه سن لموريتانيا سنة سجن الرئيس  الذي غادر الحكم وسلمه طواعية فيما يبدوا للناس وهاهو يقبع بالسجون.. رغم أن السبب الحقيقي لدخول الرئيس عزيز للسجن في نظر البعض إنما هو إصراره على الرجوع للسلطة كلمح بالبصر أو أعجل من ذلك..

في أيام عزيز كان خليفته واضح ومقنع شيئا ما، أما في حالة الغزواني فلايترجح خيار واضح، مما يزيد من صعوبة الوضع، والأرجح أن غزواني سيغادر البلاد في اليوم الذي يتسلم فيه خليفته السلطة ويبقى بعيدا عن هموم القصر وأمور السياسة، لكنه في الوقت الذي يقر فيه أنه سيترك المقعد سيفقد أغلبيته الكبيرة والهشة، هذه الأغلبية تبحث في عمومها عن مسار القوة والمكاسب والمنافع وفق فلسفة ترسخت لعقود وأصبحت جزاء حاكما لتصرفات السلطة ومن يدور في فلكها المشحون.

غير أن اللافت في الجدل الموريتاني الراهن أن الرئيس نفسه لم يتبنَّ مشروع المأمورية الثالثة. بل إن التصريحات المنسوبة إليه، في لقاءاته مع بعض الفاعلين السياسيين، تسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ أكد أنه لا يريد مأمورية ثالثة، وأنه لم يصدر تعليمات بطرحها. وهذه النقطة، في ظاهرها، تكفي لإغلاق الباب. لكن السياسة، كما يعرف أهلها، لا تُقاس دائماً بما يقال فقط، وإنما بما يقال، وما يُفهم من حال الشيء، وما يُترك عمداً في المنطقة الرمادية بين القول والفعل.
ومن هنا أخذ السؤال شكلاً أكثر تعقيداً: إذا كان الرئيس لا يريد المأمورية الثالثة، فلماذا يظل الموضوع حاضراً في النقاش؟
هنا تبدأ التأويلات، وتتشعب القراءات.
المعارضة ترى في مجرد فتح هذا الباب خطراً على التوازن السياسي وعلى الثقة في قواعد التداول، وتعتبر أن قادة الأغلبية "مأمورن" ولن يتجرأ أحدهم على المخاطرة بأمر المأموريات إلا بإشارة من السلطة فالقول ماقالت "حذامي" وتتعامل مع المسألة باعتبارها من الثوابت التي لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمساومة أو التجريب. أما بعض أوساط الأغلبية، فتبدو أكثر ميلاً إلى القول إن مجرد الحديث عن المأموريات لا يعني بالضرورة أن هناك مشروعاً جاهزاً لتعديل الدستور أو تمديد الولاية، وأن الخلط بين مناقشة الفكرة وتبنيها هو الذي يمنحها حجماً أكبر من حجمها.
وبين الموقفين تتشكل منطقة واسعة من الشك والريبة.
ولعل أكثر القراءات إثارة للاهتمام تلك التي ترى أن تحريك ملف المأمورية الثالثة لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون وراءه مشروع فعلي من أجل أن يؤدي وظيفة سياسية مهمة. يكفي أحياناً أن يُلقى حجر صغيرا في مياه راكدة حتى تنشغل الساحة كلها بالدوائر التي يصنعها. فالمعارضة التي كانت مطالبة بالتركيز على الاقتصاد، والتعليم، والبطالة، والحكامة، والإصلاح المؤسسي، تجد نفسها مضطرة إلى خوض معركة جديدة حول سؤال افتراضي: هل ستقبل مأمورية ثالثة أم ترفضها؟ وهل المشاركة في الحوار الذي يناقشها تعني قبولاً ضمنياً بها أم أنها مجرد مشاركة في نقاش سياسي؟
وهكذا يتحول السؤال الافتراضي إلى ميدان سياسي قائم بذاته.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحريك المتكرر للملف باعتباره، على الأقل في نظر بعض المحللين، وسيلة لإعادة ترتيب أولويات الساحة السياسية. فالمعارضة المنشغلة بالدفاع عن "الخطوط الحمراء" تكون أقل قدرة على المبادرة في ملفات أخرى، والسلطة التي تظهر أمام جمهورها بمظهر الطرف الهادئ، الذي يقول إنه لا يريد تغيير قواعد اللعبة، تستفيد من بقاء خصومها في حالة استنفار دائم.
لكن الإنصاف يقتضي هنا التفريق بين التحليل السياسي والمعلومة الموثقة. فلا تتوفر، في المعطيات العلنية، أدلة قاطعة تثبت أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أصدر تعليمات لتحريك ملف المأمورية الثالثة بغرض إشغال المعارضة أو إرباكها. والأدق أن يقال إن هذه قراءة سياسية يطرحها بعض المتابعين لطبيعة المشهد، لا حقيقة ثابتة يمكن الجزم بها.
وهذه التفرقة مهمة، لأن السياسة كثيراً ما تصنع ضجيجها من المسافة الفاصلة بين الحقيقة والانطباع.
ولعل الرئيس يدرك جيداً أن مجرد ظهور اسمه في سياق هذا الجدل يضعه أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، هو مطالب بتأكيد التزامه بالقواعد الدستورية، ومن جهة أخرى، فإن السماح بتداول فكرة المأمورية الثالثة، حتى في إطار النقاش السياسي، يظل كفيلاً بإبقاء السؤال حياً في الشارع وفي أذهان النخب.
لقد أصبح الغزواني نفسه، في هذا الجدل، أقل أهمية من صورة المأمورية الثالثة التي تحوم حوله. فالمسألة لم تعد فقط: هل يريد الرجل البقاء؟ وإنما أصبحت: هل تستطيع الحياة السياسية الموريتانية أن تتعامل مع مرحلة ما بعده من دون أن تعود إلى الجدل حول قواعد التداول؟
وهنا تكمن أهمية اللحظة.
فالمأمورية الثالثة ليست مجرد رقم يأتي بعد الثانية؛ إنها اختبار لنضج التجربة السياسية، ولقدرتها على أن تجعل من الدستور قاعدة للانتقال، لا مادة للتأويل كلما اقترب موعد الاستحقاقات. وموريتانيا، مثل كثير من بلدان المنطقة، تعرف جيداً أن العبث بحدود المأموريات لا يبدأ دائماً بإعلان كبير، بل قد يبدأ بجملة، أو مبادرة، أو عنوان في ورقة حوار، ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يتحول إلى قضية وطنية.
ولذلك فإن أفضل خدمة يمكن أن تُقدَّم للاستقرار السياسي ليست في إطالة عمر الجدل، وإنما في توضيح المواقف، وتحصين القواعد، وتوجيه الحوار نحو القضايا التي تصنع المستقبل بدلاً من استدعاء القضايا التي تستنزف الحاضر.
وفي المحصلة، قد يكون السؤال الحقيقي في موريتانيا اليوم ليس: هل ستكون هناك مأمورية ثالثة؟ بل: هل تستطيع الطبقة السياسية أن تتجاوز هذا السؤال قبل أن يتحول إلى قضية تبتلع بقية القضايا؟
فحين يطول ظل السؤال أكثر من السؤال نفسه، يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي الحقيقة، وأين تبدأ السياسة.