لم تعد القمامة في نواكشوط مجرد مشهد عابر في بعض الأزقة أو نتيجة مؤقتة لاضطراب في جمع النفايات؛ فقد تحولت، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من سكان العاصمة، إلى سؤال يومي عن مستوى الخدمات الحضرية، وعن قدرة الدولة والشركة المكلفة بالنظافة على الوفاء بالتزاماتهما. وبينما تتزايد شكاوى المواطنين من انتشار النفايات وتراكمها في عدد من الأحياء، تجد شركة «آرما» المغربية نفسها أمام اختبار صعب بعد أكثر من عام على بدء تنفيذ عقدها لتنظيف العاصمة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل توجد القمامة في نواكشوط؟ فهذا أمر يمكن للمواطن أن يراه في الشوارع والأحياء. السؤال الأهم هو: هل بلغ أداء «آرما» المستوى الذي يبرر حجم الوعود التي رافقت إسناد صفقة النظافة إليها؟ وهل يمكن وصف ما يحدث بأنه إخفاق للشركة، أم أن المشكلة أعمق وتتعلق بمنظومة النظافة كلها؟
صفقة كبيرة ووعود أكبر
دخلت «آرما» إلى نواكشوط في يوليو 2025، في إطار عقد يمتد عشر سنوات، تقدر قيمته الإجمالية ب 70.686 مليار أوقية قديمة، أي ما يعادل قرابة 16.4 مليون يورو وفق المعطيات المنشورة عند إطلاق المشروع. ويغطي العقد ولايات نواكشوط الثلاث ومقاطعات العاصمة التسع.
وكان الرهان الرسمي واضحاً: الانتقال من معالجة ظرفية للنفايات إلى منظومة أكثر انتظاماً، تعتمد على معدات حديثة وآليات جمع ونقل متطورة، وتستهدف القضاء على النقاط السوداء وتحسين المشهد الحضري.
ولذلك لم يكن المواطن ينتظر مجرد شركة ترفع القمامة من أمام الحاويات، بل كان ينتظر تحولاً ملموساً في صورة العاصمة.
وقد أعلنت الشركة عند بداية نشاطها عن تعبئة أسطول من المعدات والآليات، فيما عززت السلطات لاحقاً إمكاناتها بمعدات إضافية. ففي نوفمبر 2025 أشرف وزير الداخلية على تسليم الشركة شاحنات حديثة وآليات لجمع النفايات وفرزها، بهدف دعم عمليات النظافة في العاصمة..، ومع ذلك فإن المعيار الحقيقي لشركة النظافة ليس عدد الشاحنات الموجودة في المستودعات، وإنما عدد الأحياء التي تصلها الخدمة في موعدها، وسرعة رفع النفايات، واستمرار النظافة بعد رفعها، وقدرة الشركة على منع عودة النقاط السوداء.
المواطن هو «المؤشر» الأكثر صدقاً
في ملف النظافة، لا تحتاج السلطات إلى استبيان معقد لمعرفة رأي السكان.
يكفي أن تسأل صاحب متجر عن القمامة أمام محله، أو رب أسرة عن الحاويات القريبة من منزله، أو سائق سيارة أجرة عن المشاهد التي يصادفها في الأحياء، لتكتشف أن صورة النظافة لا تزال بعيدة عن المستوى الذي كان منتظراً.
الشكاوى المتداولة من السكان تتمحور حول عدة نقاط: تأخر عمليات الجمع، تراكم النفايات حول بعض الحاويات، عودة النقاط السوداء بعد تنظيفها، تناقص عدد نقاط تجميع المقمامة، وعدم انتظام الخدمة في بعض المناطق.
وهذه الشكاوى لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد انطباعات عابرة. فالنظافة خدمة يومية؛ وإذا تعطلت يوماً أو يومين، يصبح أثر التعطل مرئياً للجميع.
أغلب البيوت يدفع أغلها على ارسال القمامة المنزلية إلى الحاويات في نقاط التجميع، لكن يبقى المجال العمومي لامنظف له في العمومي وتقوم به الشركة على استحياء غير فعال وغير مجد.
وفي المقابل، ينبغي الحذر من إطلاق حكم شامل بأن العاصمة كلها غارقة في القمامة أو أن الشركة لا تعمل إطلاقاً. فهذا غير دقيق أيضاً، فقد نفذت «آرما» حملات ميدانية لإزالة النقاط السوداء، خاصة في الفعاليات الرسمية، كما شهد أداؤها مراحل من التحسن، وأشارت تقارير صحفية إلى وجود تقدم في بعض مراحل العمل. لكن استمرار الشكاوى الرسمية والشعبية يعني أن التحسن لم يتحول بعد إلى مستوى مستقر من الخدمة يرضي السكان.
إنذار مبكر من السلطات
بعد أسابيع قليلة من بداية نشاط الشركة، وجّهت السلطات انتقادات إلى مستوى الأداء وطالبتها بمضاعفة جهودها وزيادة عدد الآليات والعمال وتسريع وتيرة التدخل، بسبب تراكم النفايات في عدد من أحياء العاصمة.
وهذا التفصيل مهم جداً في تقييم تجربة «آرما»، لأنه يعني أن مشكلة الأداء لم تكن مجرد حملة انتقاد شعبية ظهرت بعد سنوات من العمل، وإنما ظهرت في وقت مبكر جداً من عمر العقد.
ثم جاءت حملات لاحقة لمعالجة النقاط السوداء، قبل أن تعود السلطات إلى تقييم العمل في فبراير 2026، مع الإقرار بوجود تقدم، لكن مع تسجيل نواقص تحتاج إلى المعالجة وتسريع وتيرة التنفيذ.
وبعبارة أخرى، فإن العلاقة بين الشركة والجهة المتعاقدة معها لم تكن علاقة نجاح كامل ومستقر، بل ظلت قائمة على التنبيه والتصحيح وتعزيز الوسائل والمطالبة بتحسين الأداء.
هل أخفقت «آرما» فعلاً؟
إذا كان المقصود بالإخفاق أن الشركة لم تنجح في جعل مشكلة القمامة تختفي من العاصمة، فإن المعطيات المتاحة وشكاوى السكان والانتقادات الرسمية تجعل الحكم على الأداء سلبياً في جوانب مهمة.
أما إذا كان المقصود أن الشركة لم تقم بأي عمل أو أن عقدها فشل بالكامل، فهذا حكم مبالغ فيه ولا تؤيده المعطيات المتاحة.
الأدق هو القول إن «آرما» تواجه إخفاقاً جزئياً وواضحاً في تحقيق المستوى المأمول من الخدمة، مع وجود تدخلات وتحسينات لم تكن كافية ولاقريبة من ذلك حتى الآن لإغلاق ملف الأزمة.
فالصفقة عمرها أكثر من عام بقليل، والعقد يمتد لعشر سنوات، وبالتالي فإن تقييمها النهائي سيكون سابقاً لأوانه. لكن السنة الأولى وما تلاها من شكاوى وانتقادات تقدم مؤشراً مهماً على أن الشركة لم تصل بعد إلى الأداء الذي كان متوقعاً منها.
لكن المؤكد أن الـأزمة أكبر من آرما شركة النظافة لا تعمل في فراغ. فنجاحها مرتبط بسلوك السكان، وبعمل البلديات التي سحب منها ملف النظام، وبانتشار الحاويات، وبسهولة وصول الشاحنات إلى الأحياء، وبمراقبة المخالفات، وبوجود منظومة فعالة للتخلص النهائي من النفايات.، النفايات التي تُلقى في الشوارع بطريقة عشوائية لا يمكن تحميل مسؤوليتها للشركة وحدها، كما أن الشركة لا تستطيع بمفردها تغيير الثقافة الحضرية التي تجعل بعض المواطنين يرمون النفايات خارج الحاويات، أو يضعونها في أماكن غير مخصصة لها.
ثمت أمر مقلق وهو عدم استفادة الدول الموريتانية من القمامة وعدم دمجها في المنظومة الاقتصادية من خلا تصنيفها على مستويات وإقامة منظومة لتدوير النفايات والاستفادة منها بدل أن يطرح تصريفها مشكلة متعددة الأبعاد.
عقد بـ70 مليار أوقية يستحق رقابة صارمة
عندما تصل قيمة عقد النظافة إلى أكثر من 70 مليار أوقية قديمة على مدى عشر سنوات، فإن القضية لا تعود مجرد نقاش حول جمال الشوارع. إنها تصبح مسألة تتعلق بكفاءة الإنفاق العمومي وبمردودية المال العام.
ولهذا ينبغي أن يكون السؤال بسيطاً:
ماذا يحصل عليه المواطن مقابل هذه الأموال؟
هل تغطي الخدمة جميع الأحياء بالمستوى نفسه؟
كم عدد الشكاوى التي تسجلها البلديات؟
كم يستغرق رفع النفايات من لحظة الإبلاغ؟
كم عدد النقاط السوداء التي أزيلت، وكم منها عاد إلى الظهور؟
ما نسبة جاهزية أسطول الشركة؟
وما العقوبات أو الخصومات التي تطبق عندما لا تلتزم الشركة بمؤشرات الأداء؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من السجال السياسي والإعلامي حول الشركة.
وبعد أكثر من عام على دخول «آرما» إلى نواكشوط، لا يمكن القول إن الشركة نجحت نجاحاً كاملاً في المهمة التي تعاقدت عليها من أجلها. وفي الوقت نفسه، لا توجد معطيات كافية للقول إن التجربة فشلت بالكامل.
لكن المؤكد أن الفجوة بين الوعود التي رافقت الصفقة وبين الصورة التي ما زال المواطن يراها في بعض أحياء العاصمة تستحق مساءلة جادة، والأهم أن الانتقادات لم تعد مقتصرة على المواطن أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ فقد ظهرت أيضاً في التقييمات والتوجيهات الرسمية الموجهة إلى الشركة، بما في ذلك المطالبة بتعزيز الآليات والعمال وتسريع التدخلات ومعالجة النواقص.
لذلك فإن السؤال لم يعد: هل توجد قمامة في نواكشوط؟
بل أصبح: هل تحصل العاصمة، مقابل عقد بهذا الحجم، على خدمة نظافة بالمستوى الذي يحق لسكانها أن يتوقعوه؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى «ليس بالقدر الكافي».
وهذه ليست دعوة إلى إلغاء العقد أو إدانة الشركة مسبقاً، وإنما دعوة إلى شيء أكثر بساطة وعدلاً: قياس الأداء بالأرقام، نشر النتائج للرأي العام، تطبيق بنود العقد، ومعاقبة التقصير إن ثبت، ومكافأة التحسن إن تحقق.
ففي النهاية، لا تُقاس نظافة نواكشوط بما تقوله الشركة ولا بما تقوله الحكومة ولا بما تقوله المعارضة؛ إنما تقاس بما يراه المواطن كل صباح أمام بيته وفي شارعه وسوقه ومدرسته ومكان عمله.













