
في ظل الهيمنة الواسعة للصباغة الكيميائية على قطاع النسيج والملابس التقليدية في مالي، ولا سيما في تلوين أقمشة "البازان" الفاخرة، يبرز تحذير بيئي وصحي متزايد، بالتزامن مع دعوات ملحة للعودة إلى استغلال الثروة النباتية المحلية الغنية لإنتاج أصباغ طبيعية صديقة للإنسان والبيئة.
وتشير التقديرات الفنية إلى أن عملية صباغة كيلوغرام واحد من القماش تستهلك ما بين 80 إلى 100 لتر من الماء، ما يعني أن قميصاً خفيفاً بوزن 200 غرام يحتاج إلى نحو 16-20 لتراً من الماء فقط لعملية التلوين.
والأكثر خطورة، وفقاً للدراسات المتخصصة، أن نحو 20% من المواد الكيميائية المستخدمة في الصباغة يتم تصريفها في مياه الغسيل، لتتسرب إلى المجاري المائية والتربة، محملة بمعادن ثقيلة ومواد مسرطنة كالفورمالديهايد والزئبق والفثالات، ما يشكل خطراً مضاعفاً على الصحة العامة والبيئة.
ويؤكد الخبراء أن هذه المخاطر تتفاقم في دول الساحل ومنها مالي، حيث تفتقر معظم ورش الصباغة إلى محطات معالجة للمياه، مما يجعل التلوث الكيميائي يصل مباشرة إلى الأنهار والمسطحات المائية التي يعتمد عليها السكان.
تجارب ملهمة وحلول محلية
في هذا السياق، كشف الحرفي المالي ومصمم الأزياء، موسى باغايوكو، عن تجربته الملهمة خلال مشاركته في المعرض العالمي بأوساكا عام 2025، حيث اطلع على تقنيات الصباغة اليابانية التقليدية بالنيلي (السوكومو) القائمة على تخمير أوراق النيلة. وقال باغايوكو: "لقد أدهشتني الفروق الشاسعة؛ فالصباغة الطبيعية لا تحمي فقط صحة الإنسان والبيئة، بل تُغذي روح الحرفي وتعزز هويته الثقافية. والعالم اليوم، في ظل العولمة، يتجه نحو العودة إلى الجذور، وعلينا نحن في مالي أن نظهر للعالم كنزنا النباتي".
تراث نباتي متنوع
تزخر الأراضي المالية بأنواع متعددة من النباتات الصباغية التي تمنح أطيافاً واسعة من الألوان، من النيلي (للأزرق)، والغالاما (للأحمر)، والقرظ (للأصفر)، وعصارة شجرة النيري (للبني)، وحتى الحناء وعنب الأدغال، وهي مواد طبيعية كانت تستخدم تقليدياً في صناعة "البوغولان" (القماش الطيني الشهير)، لكنها تراجعت أمام المنافسة الكيميائية الرخيصة والثابتة.
قطاع يحتاج إلى التنظيم
من جهتها، أكدت المصممة البارزة، جينيبا دياكيتي، أن "الصباغة النباتية تمنح الأقمشة لمسة فريدة وأصيلة، وتلبي تطلعات الموضة المسؤولة التي تزايد الطلب عليها عالميا". موضحة أن مالي تمتلك إمكانات هائلة في هذا المجال، لكن ما ينقصها هو تنظيم هذا القطاع، وتأهيل الحرفيين، وتسويق هذه المنتجات الطبيعية كعلامة متميزة للجودة والاستدامة.
ويخلص المراقبون إلى أن التحول نحو الصباغة الطبيعية في مالي لا يمثل مجرد خيار بيئي، بل يشكل رافعة اقتصادية وثقافية، قادرة على إعادة إحياء التراث الحرفي، وتوفير فرص عمل خضراء، وتعزيز مكانة المنتج المالي في أسواق الأزياء العالمية التي تبحث عن الأصالة والاستدامة.
رابط المقال:
https://afrique.le360.ma/societe/mali-textile-pourquoi-les-teintures-doi...













