
في تطور يلقي بظلال ثقيلة على التحالف العسكري بين مالي وروسيا، اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" (HRW) قوات "الفيلق الأفريقي" الروسي، المدعومة من الجيش المالي، بتنفيذ إعدامات ميدانية طالت تسعة مدنيين، بينهم أربعة أطفال، في قرية بومبوري الواقعة في منطقة موبتي وسط البلاد، وذلك في العاشر من يوليو/تموز الماضي.
ويأتي هذا التقرير بعد ثلاثة أسابيع فقط من تقرير سابق للمنظمة ذاتها، أدان غارات جوية روسية في منطقة موبتي أيضاً، مما يعزز نمطاً متكرراً من الاتهامات الموجهة للقوات الروسية العاملة إلى جانب الجيش المالي. كما يفتح باب المساءلة القانونية أمام المجلس العسكري الحاكم في باماكو، الذي بات مهدداً بفقدان الغطاء القانوني الذي يوفره انتماؤه للمحكمة الجنائية الدولية.
تفاصيل مجزرة بومبوري
وفقا للبيان الصادر عن هيومن رايتس ووتش أمس الخميس، فإن العملية بدأت فجر العاشر من يوليو، حين اقتحم أكثر من مئة مقاتل من "الفيلق الأفريقي" القرية على متن سيارات دفع رباعي ودراجات نارية، برفقة أربعة جنود ماليين عملوا كمترجمين. وركزت القوة على حي الفولاني (البيول) بالقرية، متجنبةً الحي المجاور لجماعة "الريمايبة"، في دليل على أن الاستهداف كان قائماً على هوية سكان الحي وليس على معلومات استخباراتية عن تحركات مسلحة.
وقد جرى تجميع ما لا يقل عن 80 رجلاً ومراهقاً تحت شجرة كبيرة في وسط الحي، حيث تعرضوا للضرب والاستجواب حول صلات محتملة بالجماعات الجهادية، وسط تهديدات بالإعدام. وعندما حاول ستة مدنيين الفرار، تم إطلاق النار عليهم فوراً. كما تم اقتلاع ثلاثة شبان آخرين من المجموعة واقتيادهم بسيارة باتجاه قاعدة تابعة لـ "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (التابعة لتنظيم القاعدة)، وعُثر على جثثهم لاحقاً مقطوعة الرأس أو مذبوحة، وأيدٍ موثقة خلف الظهور.
وبحسب شهادات السكان، فإن القتلى الثلاثة كانوا يمارسون نشاط مساعدا للجماعة في تحصيل ما يسمى "الضرائب" دون أن يكونوا مقاتلين، في مشهد يعكس تعقيد الوضع الاجتماعي في مناطق النزاع، حيث تختلط العلاقات بين السكان والجماعات المسلحة في سياق السيطرة القسرية.
عند انسحاب المهاجمين بعد ظهر ذلك اليوم، أحصى الأهالي تسعة جثث: خمسة رجال تتراوح أعمارهم بين 19 و34 عاماً، وأربعة أطفال تراوحت أعمارهم بين 6 و17 عاماً. وأكد التقرير أن المنظمة أجرت 13 مقابلة عن بُعد مع شهود بين 19 و30 يوليو، بينهم أربعة شاهدوا الهجوم مباشرة.
باماكو في مأزق بسبب الروس
يأتي هذا التقرير في توقيت حساس، بعدما أعلنت مجموعة فاغنر العسكرية الخاصة، في 6 يونيو/حزيران 2025، "انتهاء مهمتها" في مالي ونقل مهامها إلى "الفيلق الأفريقي" (Africa Corps). وهو هيكل يتبع رسمياً لوزارة الدفاع الروسية، ما ينهي أي التباس حول الطابع الخاص أو شبه الرسمي للقوات الروسية في البلاد.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، اعترف التلفزيون الرسمي الروسي علناً بوجود عسكريين روس نظاميين في ست دول أفريقية، وكانت مالي الدولة الوحيدة التي ذُكر اسمها صراحة. الأمر الذي يعني أن أي انتهاك موثق بات مسؤولية مباشرة للدولة الروسية، وليس مجرد مجموعة خاصة مارقة.
والمشكلة الأعمق بالنسبة للمجلس العسكري في باماكو هي مسؤوليته القانونية المباشرة عن الانتهاكات التي تحدث بحضوره أو بموافقته. ورغم انسحاب مالي من مجموعة دول الساحل الخمس ومن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، واستعدادها للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية (أُعلن الانسحاب في سبتمبر/أيلول 2025، وتم إخطاره رسمياً في يونيو/حزيران 2026)، إلا أن عضوية مالي في المحكمة لا تزال سارية فعلياً حتى 23 يونيو/حزيران 2027، وهو الموعد النهائي لدخول قرار الانسحاب حيز التنفيذ.
وحتى ذلك الحين، تظل التحقيقات التي فتحتها المحكمة الجنائية الدولية في مالي منذ عام 2013 سارية، وكذلك مذكرات التوقيف الصادرة بحق قادة جهاديين. وما لم تُنشأ آلية بديلة (كالمحكمة الجنائية للساحل التي أعلنت عنها دول تحالف الساحل ولم تبدأ عملها بعد)، فإن ضحايا الانتهاكات المستقبلية سيجدون أنفسهم بلا ملاذ قضائي دولي، بينما تبقى باماكو مكشوفة قانونياً حتى إشعار آخر.
صمت رسمي ومسؤولية متصاعدة
أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أنها وجهت رسائل إلى وزيري الدفاع المالي والروسي في 4 و5 أغسطس/آب، تتضمن استنتاجاتها وتطرح أسئلة محددة، لكنها لم تتلق أي رد من أي من الطرفين. وعلقت إيلاريا أليغروزي، الباحثة الكبيرة في المنظمة، بالقول إن "المجلس العسكري المالي يبدو أنه أعطى الضوء الأخضر للقوات الروسية للعمل، لكن هذا لا يعفيه من المسؤولية الجنائية عن أفعالها، خاصة أن هذه القوات لا تعمل في فراغ، بل تحت مظلة الدولة المالية التي تستضيفها وتسهل عملياتها".
ويشكل هذا التقرير اختباراً جديداً لمدى قدرة تحالف باماكو-موسكو على تحمل تكلفة انتهاكاتهما الميدانية، في ظل إجماع دولي متزايد على ضرورة حماية المدنيين في مناطق النزاع، وعدم السماح بتكرار سيناريوهات الإفلات من العقاب التي شهدتها مناطق أخرى في الساحل.
رابط المقال:
https://www.afrik.com/mali-le-massacre-de-bombori-alourdit-le-cout-du-pa...













