
على وقع الأمواج التي ابتلعت أحلام الآلاف، لا تزال مأساة سبتة تترك جراحها الغائرة في قلوب العائلات المغربية، فبعد أكثر من أسبوعين على موجة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها المدينة نهاية يوليو الماضي، تحوّلت الحياة إلى كابوس يومي للآباء والأمهات الذين يبحثون عن أبنائهم بين المستشفيات والمقابر ومخيمات المهاجرين، في مشهد إنساني مؤلم يعكس تداعيات واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي للحدود في المنطقة.
أرقام صادمة.
بينما كانت الأعداد الضخمة للعابرين تذهل العالم، إذ تجاوزت 70 ألف شخص خلال يومي 30 و31 يوليو، فإن الحصيلة المأساوية كانت أكثر إيلاما، حيث ارتفع عدد القتلى إلى 91 شخصاً بين الجانبين المغربي والإسبانية.
وإزاء هذا العدد الكبير من الجثث المجهولة، وجدت السلطات الإسبانية نفسها أمام تحدٍّ إنساني معقد، فمع عدم قدرتها على التعرف على جميع الضحايا، اضطرت إلى البدء بمراسم الدفن بعد الحصول على إذن قضائي، بينما بقيت العائلات تترقب في جحيم الانتظار، آملةً في أن لا يكون ابنها بين تلك الجثث التي توارت في مقبرة "سيدي مبارك" دون أن تنطق باسم.
قصة أب يبحث عن ابنه بين الأموات
في خضم هذا الألم الجماعي، تبرز مأساة رهالي الذي فقد ابنه زكريا، لتكون نموذجاً حياً لمعاناة عشرات العائلات، فبعد أن انطلق الشاب من طنجة رفقة صديقه ظناً منه أن الحدود مفتوحة، وجد نفسه في مواجهة البحر الذي لم يكن يجيد السباحة فيه، ليبتلعه الزحام وتنقطع أخباره إلى الأبد.
ورغم تنقل والده بين المدن والمستشفيات والمراكز الشرطية، لم يجد سوى جدران صامتة وهواتف لا تجيب، في رحلة عذاب تزداد قسوة مع مرور كل يوم دون أن يحمل خبراً.
منصات التواصل: ساحات استغاثة مفتوحة
لم تقف جهود البحث عند حدود التنقل الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي حيث تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات استغاثة مفتوحة، فنشرت العائلات صور أبنائها المفقودين، كل صورة تحكي قصة حلم تحطم، مثل مهدي (32 عاماً) الذي عثرت أخته زينب على فيديو له يخرج من البحر، لكنه اختفى بعدها كما اختفى الآخرون، وكأن وسائل التواصل باتت مرآة للفقدان لا أداة للعثور.
مكتب المفقودين: بصيص أمل في بحر من الضياع
وإزاء هذا التدفق البشري للبحث عن المفقودين، بادرت السلطات الإسبانية إلى إنشاء مكتب خاص للمفقودين، يقوم بجمع العينات الحيوية من ذوي الضحايا ومقارنتها بالحمض النووي للجثث مجهولة الهوية. وقد أسفر هذا الإجراء عن تحديد هوية 9 أشخاص حتى الآن. لكن السؤال الأكبر يبقى: كم عائلة أخرى ستبقى معلقة بين الأمل واليأس، وكم قبراً سيظل يحمل رقماً دون اسم في انتظار أن تأتي عائلة لتطالب بجثمان ابنها؟
وبينما تستمر عمليات البحث في الجانب الإسباني، تبقى عشرات العائلات المغربية في حالة من الترقب الموجع، وكأن الزمن توقف عند لحظة غرق أبنائها في بحر من الصمت والضياع.
رابط المقال:
https://www.infomigrants.net/fr/post/73228/a-la-frontiere-de-ceuta-des-f...













